مدونات

الهشاشة النفسية: لا تكن كالريشة

يدور عقلك في نفس الدائرة، يدور وتظن أنه سيقف ولكنه يعاود الدوران. غارق بذات الدوامة، تحاصرك أفكارك ولا سبيل للفرار، يكسرك النسيم رغم هدوءه، وتظن أن كل ما حولك يعنيك. جميع مشاعرك تتحول الى أحادية اللون، فلا تستطيع تحديد ماهيتها ولا التعامل معها، تحس بهشاشة في الداخل، تحس أنك مخلوق من ريش رغم ثقلك، فتعصف بك الحياة دون أي مقاومة منك، وتذهب مهب الرياح مثلما تفعل أي ريشة. ورغم كل هذا الضجيج الذي بداخلك، لا يزال العالم ينعم بالهدوء.

وهذا وصف ما أطلق عليه علماء النفس بـ”الهشاشة النفسية”

ماهي الهشاشة النفسية:

هي شكل من أشكال الاضطراب النفسي، و تُعرف بأنها حالة من الرقّة المبالغ فيها وسرعة الانكسار في مواجهة التحديات المختلفة، فالشخص الذي يعاني من الهشاشة النفسية يرى معظم التحديات تهديدًا وليست جزءًا من حياته، ويعتبرها استثناءات له شخصيا، يتبعها شعور بالتوتر والخوف المستمر.

ودائما ما يتصف الشخص الهش نفسيا بالانفعال المبالغ فيه كالبكاء بسهولة او العصبية من أتفه الأمور، بالإضافة الى تحليل المواقف ومحاولة البحث عن أسباب لا وجود لها. ودائما ما يصاحب هذه المشاعر ضعف الثقة بالنفس وتقدير الذات. فغالبا ما نجدهم يلجؤون الى الناس لاستشفاف التقدير منهم وهذا ما يعلقهم بشكل كبير في علاقاتهم ويعود هذا التعلق عليهم سلبا نظرا الى تأثرهم السريع والعفوي.

لذا، فإن الشخص يحتاج الى أهداف سامية في حياته، يسعى إليها ويشغل نفسه بها بعيدا عن الناس، ويُقدر نفسه بنفسه لإنجازاته الصغير منها والكبير، يعزز مهاراته ويصقلها في الطريق الصحيح، ويملأ روحه بالشغف. ويتذكر دائما ان القوة تستمد من الله وليس الناس، لذا اجعله ملجأك الأول في الطلب والبث والشكوى. فلا أحد يعرفك اكثر من نفسك لذا لا تربط قراراتك المصيرية بالآخرين.

إننا نفتقر للتثقيف الاجتماعي  والوعي الذاتي حول علاقتنا وقرارتنا وطرق اختيارنا، لذا فالخيار الأمثل للتخلص من الهشاشة النفسية هو المصطلح المعاكس لها  تماما، ألا وهو “النضج العاطفي”

ما هو النضج العاطفي؟

هو حالة يصل إليها المرء عندما يتمتع بقدر عالي من المرونة في مواجهة الضغوط النفسية والتحديات الحياتية والمواقف العصيبة، أيضا قدرته على تحديد ماهية شعوره والتعامل معه بمنتهى الحكمة والاتزان العقلي والعاطفي.

القدرة على تقبل الفشل والتعلم منه بل واستخدامه إيجابا في سبيل النجاح.

والنضج العاطفي يأتي بالتعلم لا بالمصادفة او الكبر، فيستطيع الشخص فهم ذاته واحتياجاتها وبالتالي التعامل مع نفسه بطريقة أكثر حكمة وتأني. أيضا فهم العلاقات الاجتماعية بشكل أعمق من سطحيات ومظاهر، وهذا ما سيساعده على دقة اختيار المحيط الذي سيحيط به نفسه والتعامل بحكمة مع المواقف التي ستواجهه.

و يمتلك الناضج عاطفيا القدرة على منح وتلقي الحب بطريقة متوازنة، بحيث لا يظلم نفسه في سبيل الأحرين ولا يبخس الآخرين حقوقهم في سبيل نفسه. يفكر ألف مرة قبل اتخاذ القرار وهذا ما يمنحه الرضا عن قراراته ومسار حياته.

لذا لا تكن كالريشة تأخذك رياح الآخرين حيث تشاء، كن الجناح الذي سيحلق بنفسة حيث يشاء.

اقرأ أيضا: خلاف الظنون.. تحليل الصورة النمطية لكل من الانطوائيين والاجتماعيين

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى