سياسة و تاريخ

الهجرة القسرية.. إلى متى؟ (2)

الهجرة مفهوم لصيق بحياة الإنسان، فمنذ بروز الجماعات البشرية المنظمة والهجرة تعد أحد أهم عناصر النمو السكاني وجزءًا من حركة الناس داخل الحدود القومية وخارجها ومكونًا رئيسيًا و ثابتًا لتاريخ المجتمعات البشرية، و تحدث في نفس الوقت نتيجة ظروف الأشخاص الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تدفعهم إلى التنقل، بالإضافة إلى العوامل المرتبطة بالحروب والنزاعات والكوارث الطبيعية [1].

تتباين النظريات المتعلقة  الهجرة القسرية، فقد صُنف بعضها وفق المستوى التحليلي، وبعضها استخدم النموذج التنموي معاملً اقتصاديًا محفزًا للهجرة، إلى جانب عوامل أخرى سواء اجتماعية ديمغرافية.. فحسب الاتجاه الذي تبنته منظمة الهجرة الدولية في منظورها أن ظاهرة الهجرة على أنها عملية التحرك، سواء عبر الحدود الدولية، أو داخل الدولة الواحدة، فهي حركة انتقال سكانية تشمل أي نوع من حركات الأفراد، أيا كان طولها، أو تكوينها أو أسبابها و تشمل هجرة اللاجئين، الأشخاص المشردين، المهاجرون الاقتصاديون.[2]

من منظور الدول المرسلة أو المصدرة يطلق على الهجرة في هذه الحالة مصطلح الارتحال أو النزوح، ويشير هذا المصطلح عموما إلى الهجرة القسرية التي تحدث نتيجة كوارث طبيعية أو حروب، وبالتالي تعتبر مرادفة أيضا لمفهوم اللاجئين، فالدول المرسلة أو المصدرة للمهاجرين تهتم بشكل ملحوظ بالأسباب التي تؤدي إلى النزوح أو تدفق اللاجئين، وبالتالي فهي تعمل على تذليل الصعاب المؤدية إلي النزوح أو الهجرة. [3]

لكن من أهم النظريات التي تطرقت إلى تفسير هذا النوع من الهجرات وكانت قريبة في تسليط الضوء عليها، نجد نظرية الطرد والجدب، وقد حددت الأسباب الأساسية للطرد في العوامل البسيطة مثل الفقر والاضطهاد والعزلة الاجتماعية، وإلى عوامل الطرد القوّية المتجلية في المجاعات والحروب والكوارث الطبيعية، كما يمكن أن تكون عوامل الطرد عوامل بنائية كالنمو السكاني السريع وأثره على الغذاء والموارد الأخرى.

ويتمثل العامل البنائي الآخر في الهوّة المرتبطة بالرفاهية بين الشمال والجنوب أو الحرب كعامل من عوامل الطرد بين الأمم أو داخلها[4] .

تساهم عوامل متعلقة بالجوانب الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية في طرد المهاجرين من بلدهم الأصلي، ويمكن جمع هذه العوامل في الشعور باللاأمن، حيث أن الرغبة في مغادرة الوطن ليست عبثية إنما هي نتيجة حالة يسود فيها اللاأمن الإنساني الذي يشمل اللاأمن الاقتصادي واللاأمن الاجتماعي واللاأمن السياسي، والناتج عن عدة عوامل:

العامل الأول: اقتصادي

البطالة تعد من المشكلات التي تحتل الصدارة في المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها الدول..

العامل الثاني: اجتماعي

عدم توفر السلم الاجتماعي وهذا بفعل شيوع الظاهرة الطبقية على المستوى القبلي والطائفي أو جزئي، وتغليب الأغلبية على الأقلية أو العكس، الفقر ..

العامل الثالث: سياسي

ويتركز أساسا في غياب الديمقراطية وانتهاك حقوق الإنسان، وفي مقدمتها غياب الحق في اتخاذ القرار والمشاركة في الحياة العامة، والحق في حرية التعبير، وضعف المؤسسات، وغياب سيادة القانون، وتفشي النزاعات القبلية والعشائرية والحدودية، وعدم الاستقرار السياسي، وكثرة الانقلابات العسكرية وتفشي الفساد المالي والإداري..[5]

الهجرة الإجبارية أو ما يعرف بالقسرية هي التي تتم بواسطة قوة خارجية تدفع الأفراد إلى الهجرة على غير رغبة منهم، و من أبرز أمثلتها في العصر الحالي (هجرة الفلسطينيين) أو الهجرة فرارا بالحياة و العقيدة أو الهجرات التي تحدث أثناء الحروب، وتستخدم عبارة الهجرة القسرية لوصف الحركة غير الإرادية للأشخاص، و التي يكون سببها الخوف من الاضطهاد، أو أوضاع الصراع المسلح، الاضطرابات الداخلية، الكوارث الطبيعية، كما قد يثيرها الإنسان في ممارساته اليومية.[6]

وعلى ضوء ما سلف، فالهجرة هي ظاهرة عالمية تتطلب تظافر كافة الجهود الدولية والوطنية للانخراط في استراتيجية فعالة للحد من إهدار الكرامة الإنسانية وزعزعة الأمن والاستقرار المجتمعي الذي تطمح له البشرية.

  • المراجع المعتمدة: 

[1]  – محمد رضا التميمي: “الهجرة غير القانونية من خلال التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية”، دراسة منشورة مجلة دفاتر السياسة والقانون،  العدد الرابع، 2011.

[2]  – منظمة الهجرة الدولية، “قانون الهجرة” منشور على الموقع الالكتروني: www.iom.int

[3]  – طبيب كمال: “ظاهرة الهجرة غير الشرعية في العلاقات الأورو مغاربية”، رسالة لنيل شهادة الماستر في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، تخصص دراسات استراتيجية ومستقبلية، تحت إشراف الدكتور آدم زوي محمد رضا، جامعة الجوائر 3، كلية العلوم السياسية والإعلام، السنة الجامعية، 2011-2012.

[4]  – رشيد ساعد: ” واقع الهجرة غير الشرعية من منظور الأمن الإنساني”، رسالة الماستر في العلوم السياسية تخصص دراسات مغاربية تحت إشراف الدكتور عبد العظيم بن الصغير، كلية الحقوق والعلوم السياسية جامعة محمد خيضر بسكرة-الجرائر، السنة الجامعية 2011/2012.

[5]  – خديجة بتقة:” السياسة الأمنية الأوروبية في مواجهة الهجرة غير الشرعية”، شهادة لنيل دبلوم الماستر في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، تحت إشراف الدكتور محمد لمين لعجال اعجال، جامعة محمد خيضر- بسكرة، السنة الجامعية 2013-2014.

[6]  –  رقية العاقل: “سياسات التعامل مع ظاهرة الهجرة غير الشرعية في شمال غرب المتوسط (1990-2009)”، شهادة لنيل الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية تحت اشراف  أ-د امحند برقوق، جامعة الجزائر 3، كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية ، السنة الجامعية 2015.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

منى دلوح

منى دلوح طالبة باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة عبد المالك السعد -طنجة ، حاصلة على دبلوم الماستر في حقوق الانسان، موازاة مع مساري الدراسي فأنا ناشطة في العديد من الجمعيات منها مركز ليكسوس للدراسات القانونية والسوسيولوجيا، متطوعة بشبكة حقوق الانسان بمعهد بروميثيوس للديقراطية وحقوق الانسان، رائدة بالفضاء المدني... كذلك مشاركة في برامج تدريبية وتكوينية سواء على المستوى الوطني وكذا الدولي من بينها أكاديمية المجتمع المدني، منتدى شباب العالم في مصر، سفراء نوابك...
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق