مدونات

الهبوط على المريخ والرسالة الضائعة

الحدث هذه الأيام علمي بامتياز، حيث شد انتباهي وانتباه الكثيرين خبر الوصول إلى كوكب المريخ والهبوط عليه بمركبة فضائية مسيرة من الأرض تابعة لوكالة الأبحاث الأمريكية (الناسا).

ورغم أن هذه الرحلة ليست هي الأولى من نوعها إلى الكوكب الأحمر، فقد سبقتها رحلات ورحلات، ويطوف حول المريخ الآن ست مركبات فضائية، ويجثم على سطحه مسباران فضائيان. إلا أنها اكتسبت زخمًا إعلاميًا كبيرًا، فشاهدنا لأول مرة عملية الإنزال لمركبة فضائية على سطح المريخ، والتي دامت سبع دقائق مرت جحيما ودهرا على الطاقم المسير للمركبة.

وكمتابعين للحدث من بعيد لا نستطيع نفي الخبر ولا تأكيده ولا حتى التشكيك فيه، فلسنا في مقام من يشكك أو يفند، نظرًا لحالة التخلف والجهل التي نعيشها في عالمنا العربي والإسلامي، الذي لم يستوعب بعد خبر وصول الإنسان إلى سطح القمر قبل خمسين سنة من الآن، ولا يزال يعيش الصدمة ويشكك فيها ويعتبرها خدعة سينمائية. فما بالك بخبر الوصول إلى المريخ الذي يبعد عنا بأزيد من خمسمائة مليون كم، ودامت رحلة المركبة إليه سبعة أشهر كاملة بسرعة فائقة.

ومع ذلك نسجل بارتياح وإيجابية حالة الانبهار لدى قطاعات واسعة من الناس لما وصل إليه العقل البشري الصغير، الذي استطاع التحكم في مركبته وتسييرها كل هذه المسافة وإنزالها على الكوكب الأحمر بسلام، رغم البعد الشاسع للمسافة حيث المعلومة بين الإرسال اللاسلكي والوصول تستغرق 11 دقيقة.

ورغم أن الصور الملتقطة لـ كوكب المريخ المجاور للأرض تُظهر آثار وديان وبحيرات على سطحه، شبيهة بالموجودة على الأرض، والتي تشكلت منذ ملايين السنين. يفترض العلماء والباحثون أنها آثار مياه جفت، إلا أنهم أرادوا من خلال هذه الرحلات أن يتأكدوا من بقايا حياة جرثومية أو بكتيرية قد لا تزال إلى يومنا هذا.

وعلى فرض أنهم توصلوا إلى نتيجة إيجابية واكتشفوا جراثيم لا تزال حية، فهذا لن يفيد البشرية في شيء، فكل المؤشرات والدلائل تقول: إنه كوكب لا تصلح الحياة فوقه ولا يمكن أن يكون موطنًا إضافيًا لبني الإنسان. وهل ضاقت الأرض بالبشر حتى نبحث عن كوكب آخر للعيش عليه؟ أم هو الترف والفضول وحب الاستكشاف على حساب الملايين التي تموت جوعا وفقرا.

وعموما مهما كانت النتائج المتوصل إليها فلن تكون ذات جدوى على البشرية، اللهم إلا الرغبة في إشباع الفضول واكتشاف المجهول ومن يقف وراءه. وعلينا كمسلمين ورثة الكتاب الخاتم أن نستثمر هذا الفضول في هداية الناس وربطهم بالخالق جل في علاه، والتأكيد على الحقائق القرآنية التي جاء بها النبي المعصوم (صلى الله عليه وسلم) قبل أزيد من أربعة عشر قرنا، والتي تقول بأن الماء هو أصل كل حياة، وذلك في قوله تعالى:( وجعلنا من الماء كل شيء حي).

والتي تقول أيضا: بأن الإنسان مهما بلغ علمه وتطور عقله يبقى علمه محدودًا وقليلًا، وعقله قاصرًا، ويبقى هذا الكون بمجراته وشموسه ونجومه هاديا ودليلا لكل من يبحث عن الحقيقة التي من أجلها كان هذا الكون وهذا الوجود، والتي عبر عنها القرآن أوضح تعبير في قوله تعالى:(الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن. يتنزل الأمر بينهن. لتعلموا أن على كل شيء قدير. وأن الله قد أحاط بكل شيء علما).

وما دام الإنسان يبحث عن كوكب آخر فيه الحياة غير هذه الأرض نقول بيقين: إنها موجودة في ستة كواكب أخرى، أو في ستة أراض لا نعلم عنها شيئا. هل هي موجودة في مجموعتنا الشمسية هذه؟ أم في مجرتنا درب التبانة التي تنتمي إليها شمسنا؟ أم في مكان آخر لا نعرف عنه شيئا؟  يكفينا أننا نؤمن بوجودها كما أخبرنا القرآن الكريم خير لنا وللبشرية جميعا من أن نقول: لا حياة إلا فوق هذا الكويكب الأرضي، ولا حياة إلا هذه الفترة الممتدة من لحظة الميلاد إلى الوفاة.

وفي الأخير يذكرنا هذا الحدث -الهبوط على المريخ بالحدث الأهم، ألا وهو هبوط أبينا آدم وأمّنا حواء فوق هذه الأرض، لتبدأ قصة البشرية كما رسمها القرآن الكريم، لا كما تخيلها داروين صاحب نظرية النشوء والتطور التي يعتقدها الملايين من البشر.

وإذا ما ربطنا الأحداث بعضها ببعض وجدنا الرغبة مشتركة بين البشر جميعًا، -مؤمنهم بالله وغير مؤمنهم- في الخروج من هذا الكوكب الأرضي الذي تنتهي فيه الحياة بالموت. إلا أن المؤمن يعتقد أنه بعد الموت سيخرج إلى عالم آخر ستكون الحياة فيه على أكمل وجه.

 وأما غير المؤمن فيريدها في كواكب أخرى دون المرور على محطة الموت التي لا يؤمن بما بعدها. وهذه هي الرسالة التي فرطت فيها الأمة المسلمة صاحبة الرسالة الخاتمة وتنصلت من تبعاتها، والتي ينبغي أن يسمعها العالم كله بكل وضوح وقوة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى