مدونات

النيةالحسنة.. أو لكل امرئ ما نوى

أكتب هذه الكلمات في ظرف بدايات الشتاء، الشتاء كما أسميه فصل الحنان و الحنين، لذلك ناسب أن أكتب عن القلب منزل النية الأوحد ومحلها.

من تأملات إحدى أحاديث أصول الإسلام، حديث عمر بن الخطاب: “و إنما لكل امرئ ما نوى” ، أن كل يوم أعيشه يثبت لي قيمة النية الداخلية للإنسان، وكيف أنها المحرك الأساسي للحياة، و إنما المرء بنواياه، ولذلك كان أول العلم هو النية. وهنا يستحضرني قول ابن تيمية أعطى الله العبد كل شيء.. وخلق القلب له سبحانه “ولكن ينظر إلى قلوبكم” ، النية المجردة من العمل يثاب عليها، و العمل المجرد عن النية لا يثاب عليها.

فالنية هي حسن امتلاء القلب بالله والعناية الكثيفة بتجسد أوامره فيه، و انطباعها على القلب، يسبقه تخلي هذا القلب من الايدلوجيات، فيأخذ و يدع ويقبل وينبذ مبتغيا وجهه تعالى، لا يحدوه إلا رغبة حارة وصادقة في الاضطلاع بوظيفته الأولى والأخيرة التي بعث فيها هذا القلب للوجود، ومتى استقامت هذه المعارف في القلب، صلحت العمل، بصلاح العمل يرتبط صلاح الكون بأسره، و قيل في هذا الارتباط بين القلب و العمل ” النية الصالحة توصلك إلى مواطن لم تكن ستبلغها بعملك”.

وصناعتها ليست بالشيء السهل، تحتاج صدقا ومدى تحمل قلبك للانتقال للطمأنينة الذاتية، لكنني أوجز بعضا منها:

أولاها : اجعل لك آية تجمع شتات وجدانك، و تهذب سلوكك، تؤتيك همة المحب، و تسقيك عزم المقبل، وخوف المدبر.

ثانيها : اجعل لك سورة من كتاب الرحمن، رفيقة جلساتك الربانية، صديقتك في الإدراك والتفسير والفهم والعلم، سافر معها في فهم وتدبر وتذوق وشعور.

ثالثها : اختر قصة قرآنية، عش في أحداثها تأمل تفاصيلها، التمس فيها التدابير الإلهية الخفية، وكيف يصنع الله جنده.

رابعها : اختر شخصية قرآنية، عش أحداثها، ومشاعرها، وكلامها ومواقفها، شخصية تشبهك، تتكلم معها كل يوم، تحاورها، و تتعلم من مسارها كأنك أول مرة تتعرف عليه.

خامسها: أعد صياغة نفسك بالصلاة، اجعل تركيزك بأنها محرك التمكين لك، اختف عن أعين البشر، وقف وجلا أمام رب البشر، في كل ركعة كأنها أول وقفة. هنا ثق بأن الله يراك و يؤتيك نية و أجرا، وهنا أذكر قول أحد العارفين ” ليتنا نستحدث منهجا، ونسميه منهج صناعة النية ” ، ويكون أول ما نعلم نشأنا ( نية المؤمن خير من عمله ).

مخيفة هي الحياة بدون قلب، و أكثر استيحاشا هو العيش بدون نية. ختاما، في الشتاء تفقّد نيتك، واعتن بقلبك.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى