ثقافة وفنون

النوستالجيا في أفلام خالد أبو النجا

الحكاية الأولى: في شقة مصر الجديدة-2007

إخراج: محمد خان

يبدأ الفيلم بإهداء إلى ليلى مراد، على أنغام أغنية (أنا قلبي دليلي) وعلى طريقة محمد خان في محاولة إضفاء شاعرية شديدة في بدايات أفلامه، وبالعودة إلى زمن الخطابات الورقية التي ترسلها تلميذة إلى مدرّسة الموسيقى التي رُفدت من المدرسة منذ سنوات لأنها تتحدث مع الفتيات الصغيرات عن الحب، لتحكي لها تلك التلميذة كل ما تمر به وتستشيرها في قراراتها المصيرية في الحياة وتنتظر منها الرد، كما اعتادت أن تهدي لها الأغاني في برنامج ما يطلبه المستمعون.

هذه التلميذة هي نجوى(تقوم بدورها الفنانة غادة عادل) الفتاة الحالمة التي قطعت مسافة من المنيا إلى القاهرة مع زميلاتها بدعوى حضور احتفال موسيقي بإحدى المدارس، ولكن السبب الحقيقي لقدومها إلى القاهرة هو الاطمئنان على صديقتها ومعلمتها التي تأخرت عن الرد على الخطابات.

تأتي نوجة إلى القاهرة وتبدأ رحلة البحث عن صديقتها أبلة تهاني، التي ستكتشف أنها تركت شقتها بمصر الجديدة بكل ما فيها ويسكنها الآن شخص آخر، وهو الذي يستقبل خطاباتها طوال تلك الفترة.

يحيى ( الذي يلعب دوره الفنان خالد أبو النجا) يسكن في شقة تهاني ويتذمر طوال الوقت من  أشياءها التي تركتها في الشقة ولا توجد أية علامات تدل على قدومها قريبًا لأخذ تلك الأشياء حتى يلتقي بنجوى حين تأتي للبحث عن تهاني، ويتورط معها في رحلة البحث تلك.

تتعطل نجوى عن اللحاق بقطارها مما يجبرها على البقاء فترة أطول في القاهرة بأحد بيوت المغتربات، فيجد يحيى نفسه في موقف صعب حين يشعر بأنه مضطر لأن يقدم لها المساعدة، ويجد بعض التغيرات التي تطرأ على شخصيته الجامحة غير المبالية التي تتهرب من أي علاقة جادة أو أي مشاعر حقيقية، ومن ثم تتطور علاقتهما. حينها تشعر نجوى أنها وجدت قصة الحب التي طالما حدثتها عنها أبلة تهاني.

تلتقي نجوى بعم شفيق، صاحب العقار الذي كانت تسكن به تهاني، والذي أحب تهاني ولم تبادله الحب ومازال يحتفظ بأشياءها في الشقة على أمل أن تعود، يحدثها عن شخصية تهاني المبالغة في المشاعر والدرامية بدرجة وصفها هو بالجنون، ولكنه رغم ذلك لايزل يكن لها تلك المشاعر التي دفعته لأخذ خطاباتها والاحتفاظ بها بعد أن تركت المكان إلى غير رجعة.

الحياة ستظل تفاجئنا دائمًا

تفقد نجوى الأمل في العثور على أي دليل على أن تهاني مازالت على قيد الحياة، أو أنها ستعود يومًا،ولكن يصل الخطاب الذي يعيد إليها الأمل..

“أدرك الآن أن الانتظار الذي عشته كان له معنى، لأن الحياة ستظل تفاجئنا دائمًا، ولأن البهجة تبحث عنا كما نبحث عنها”

تستمع نجوى إلى تلك الكلمات في حين يحاول يحيى اللحاق بها قبل أن تغادر القاهرة، يساعدها على ركوب القطار وحينها يملي عليها رقم هاتفه فتظل تردده في طريق السفر0125136240، وموسيقى أغنية ليلى مراد لاتزال في الخلفية.

الحكاية الثانية: فيلا69- 2013

إخراج: أيتن أمين

حسين (الذي يقوم بدوره الفنان خالد أبو النجا) يستيقظ صباحًا في فيلته القديمة رقم 69 المطلة على النيل في أحد الأحياء الهادئة، يعيش وحيدًا، تلك الوحدة التي فرضها على نفسه كجزء من قراره الذي اتخذه ليواجه به أيامه الأخيرة بعد أن عرف بمرضه الذي يجعل بينه وبين الموت وقت قصير، ربما أيام.

رجل ستيني فظ، ساخر، يتعامل بقسوة ظاهريًا مع كل من حوله، يعمل مهندسًا إلا أنه قد قرر أن يباشر عمله من المنزل ضمن خطة اعتزاله العالم الخارجي.

شاحب الوجه، ضيق الخلق، لا يتحمل الجدالات والنقاشات الطويلة، يقضي جُل وقته في فيلته التي لا يريد أن يتغير من تفاصيلها أي شيء، يعتني بالقطط في الحديقة، يقوم بفرز الكتب كل مرة ليتأكد من أن أحدهم لم يتغير مكانه، يستمع إلى أم كلثوم، ويلتقي بصُحبته التي هي رجلين وامرأة ربما هم من نسج خياله المتعلق بالماضي، وربما هم حقيقة، ولكنهم يقتحمون المشاهد فجأة يتجاذبون أطراف الحديث، يدخنون، يعزفون الموسيقى ولا شيء آخر.

يبدو حسين رجل كاره للحياه، أسلوبه وطريقته لا يمكن تحملهما، إذ يعلم أن نهايته القادمة لا محالة قريبة جدًا إلا حد أنه لا يرى طائلُا من أي عمل أو تغيير، أو أي علاقات بشرية قد تؤرقه وتصعّب عليه فكرة الرحيل، يريد أن يمضي ما تبقى له في هذه الراحة التي يجدها في روتينه اليومي البسيط، في هذه الحياة القصيرة التي أفرغها من كل التزامات ومسؤوليات لم تعد ذات جدوى، إلى أن تقرر أخته (التي تقوم بدورها الفنانة لبلبة) أن تأتي للعيش معه وحفيدها لفترة مؤقته وهو ما سيغير ويبرز في شخصية حسين جوانب آخرى بتطور الأحداث.

تظهر شخصية حسين المتعلقة بالحياة _رغم كل شيء_ في حبه للموسيقى وموافقته على أن يتدرب حفيد أخته وأصدقائه على العزف في فيلته، بل ويستمع إليهم ويعلق على أدائهم ويسمعهم بعضًا من عزفه على العود. وأيضًا يتضح الجانب الإنساني الذي لا يخلو منه بشر في تعامله مع عبد الحميد الذي يعمل لديه، وفي تصرفه مع الممرضة التي تتولى العناية به من وقت لآخر وتحرص على زيارته، فيشتري نصيب خطيبها من أرضه ليسهل لهما زيجتهما، ثم يهديهما عند زواجهما الطقم الصيني العتيق المحبب له حتى يتذكرانه وهما يحتسيان الشاي.

 هناك ما يستحق أن نحيا لأجله

في آخر مشاهد الفيلم يقرر حسين أن يخرج من الفيلا لأول مرة منذ بداية الفيلم، يتأنق ويستعد للخروج ثم يقرر أن يصحب صديقيه الجدد، حفيد أخته وصديقته بسيارة والده ويخرج ليرى الشارع بنظرات متأملة ومتعجبة كما لو أنه أمضى زمنًا لم يره،  يبتسم حسين من شباك العربة أثناء سيرها، يبرهن هنا أن دخول الصديقين الصغار إلى حياته قد أيقظ في داخل حسين رغبته في الحياة إلى آخر لحظة، تلك الرغبة التي كان يحاول أن يدفنها في داخله، وداخل الفيلا.

الحكاية الثالثة: فيلم ديكور-2014

إخراج: أحمد عبد الله السيد

في حب أفلام الأبيض والأسود، تم تصوير الفترة الحالية ومعالم القاهرة والإسكندرية بالأبيض والأسود طوال مدة الفيلم، في حالة من النوستالجيا لتلك الأفلام التي شغفت بها البطلة- مها- (تقوم بدورها الفنانة حورية فرغلي) مهندسة ديكور تعمل بصناعة السينما ومغرمة بالأفلام القديمة خاصة نهر الحب لفاتن حمامة، تواجه مها في عملها على أحد الأفلام بعض الضغوطات في كونها لا تستطيع أن تخرج الفيلم بالشكل الذي ترغب فيه، والذي يقتضيه الفن الذي تعلمته وأخذته عن والدها وحبها الشديد للأفلام، ذلك لكون الإنتاج القائم على الفيلم يحرص على الجانب التجاري أكثر من تلك الجوانب الفنية.

تبدأ معاناة مها حين تجد نفسها تتوحد مع الشخصية التي تجسدها إحدى بطلات الفيلم الذي تعمل على تصميم الديكور الخاص به، تجد نفسها فجأة في حياة البطلة التي هي ربة منزل متزوجة من شخص يدعى مصطفى (يقوم بدوره الفنان ماجد الكدواني) ولديها طفلة ولكنها تشعر دائمًا أن حياتها ينقصها شيء ما، وتجد نفسها حينًا آخر مهندسة الديكور التي تعمل مع زوجها شريف (الفنان خالد أبو النجا) ولكن تلك الحياة أيضًا ينقصها شيء ما.

تظن مها في البداية أن حياتها مع مصطفى من نسج خيالها الذي تأثر بالأفلام وأُرهق من فرط العمل على هذا الفيلم فجعلها تتوحد مع الشخصية التي لديها طفلة صغيرة، وهو الشيء الذي ينقص مها في حياتها المثالية مع شريف في القاهرة.

ثم بانتقالها لحياتها مع مصطفى في الاسكندرية تجد نفسها مدرسة الرسم والزوجة الناقمة على حياتها لأنها لم تتزوج الشخص الذي أحبته قديمًا وفُسخت خطبتها منه وكان يعمل في صناعة السينما وهو شريف، فتهرب من تلك الحياة بتخيل حياتها معه.

وما بين الانتقال بين الحياتين تصبح مها والمشاهد تائهين بين أي الحياتين هي الحياة الحقيقية وأيهما هو الخيال الذي تحاول مها أن تهرب إليه.

الإفراط في التعلق بقيمة الأشياء، في زمن يبتذلها

كل ذلك يشكل ضغطًا نفسيًا على البطلة: الابتذال الذي تراه في صناعة الفن التي هي أحب الأشياء إليها في حياتها مع شريف، وإهدار قيمة كل ما هو قيّم بالنسبة إليها عند اضطرارها لبيع المرسم الذي ورثته عن والدها والذي يضم لوحاته الفنية لشخص ما ليحوله لمخزن في حياتها مع مصطفى.

تظل هكذا حتى تقرر في النهاية أن تترك حياتها مع شريف، وحياتها مع مصطفى غير مبالية بالحقيقة والخيال، حينها فقط يتحول الفيلم من الأبيض والأسود للألوان في آخر مشهد.

ما السر وراء فكرة الحنين في أفلام خالد أبو النجا

ربما إن نظرنا إلى مجمل أعمال الفنان خالد أبو النجا خلال مسيرته الفنية سنجد لون واحد يميز معظم الأفلام، هذا اللون يوحي بمشاعر أقرب إلى الحنين، نجد ذلك في أعمال كثيرة أخرى إضافة إلى ما تم تناولهم في هذا المقال (ميكروفون، هليوبوليس، عجميستا وغيرها..)، مع اختلاف قصة كل منهم إلا أن أغلب تلك الأعمال تحمل الثيمة ذاتها،  تلك التي تجعل المشاهد ينتقل إلى هذه الحالة من النوستالجيا التي قد يضفيها المكان المختار للأحداث. ففي بعض الأفلام كان الإسكندرية، وبعضها الآخر كانت القاهرة، وايضًا في اختيار أماكن التصوير داخل تلك المدن العريقة، والديكورات والإضاءة التي تسهم في رسم تلك الصورة الدافئة، إضافة إلى الموسيقى والحوارات والملابس، جميعها عناصر يختارها صناع العمل لتخدم في النهاية الصورة ذاتها.

والقاسم المشترك في كل تلك الأفلام أنها بطولة الفنان ذاته، مع اختلاف صناع العمل، فلكل من تلك الأعمال مخرج ذو رؤية خاصة مختلفة عن غيره، ولكن بالاطلاع على أعمال أخرى لكل منهم أيضًا نجد ثيمة النوستالجيا حاضرة فيها.

فيمكن أن نقول هنا إما أن الفنان خالد أبو النجا يختار مخرجًا ذا رؤية نوستاليجية للتعامل معه، أو أن كل مخرج ذي رؤية نوستاليجية يختار خالد أبو النجا بطلًا لأحد أعماله، أو أن الأعمال التي تخدم تلك الفكرة تختار أفضل من يستطيع أن يعبر عنها مخرجًا وممثلُا.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى