علوم وصحة

النماذج النظرية المنافسة للداروينية في تفسير التطور البيولوجي

“منافسون مدانون”، هكذا عنون ريتشارد دوكنز الفصل الحادي عشر من كتابه “صانع الساعات الأعمى” متناولًا النماذج الأخرى المنافسة للداروينية في تفسير التطور وتلك التي تعتبر فرعًا من فروعها، فقد لا تعدو الكيفية التي يتم اعتمادها في التفسير عن كونها جدلًا حول مصطلحات بعينها.

يمكن الاستفادة من هذا الفصل في تبيان بعض تلك البدائل التي لا زالت بعض الفئات تتبناها تحت مسميات عديدة مثل “التطور الوظيفي” و”التكيفي”، “الطفرية”.. مدفوعين بالجاذبية العاطفية لبعض تلك النظريات مع معرفة سطحية بأسس النظرية والآليات التي تتضمنها.

أشهر تلك النظريات المنافسة في تفسير التطور هي “اللاماركية” التي قدمها جان لامارك (1744-1829) في كتابه “فلسفة علوم الحيوان” والتي لم يوجد أي برهان جيد يدعمها.

يقوم المذهب “اللاماركي” في تفسير التطور على عنصرين واضحين:

  1. مبدأ الاستخدام وعدم الاستخدام: أي أن الأعضاء التي تستخدم وظيفيًا تنمو لتصبح أكبر، فيما تنزع الأعضاء المهملة نحو الضمور.
  2. الصفات المكتسبة تورث: نظر لامارك إلى النزعة نحو التقدم كأمر مسلم به. ينتج عنه سلالات منفصلة، تتقدم مستقلة نحو أنواع أعقد، لكن ليس على صورة شجرة حياة متفرعة. أي لم يقترح لامارك فكرة السلف المشترك، بل التطور المستقل.

ثمة مكون آخر للطبخة النظرية، وهو يضفي عليها ملمحًا صوفيًا، وجاذبية عاطفية: الوجدان الداخلي. فقد افترض لامارك وجود عنصر غامض قوي وصف بأنه “نوع من الشعور بالوجود”، وهو ما يحث الأجسام تجاه إنتاج قدرات تتيح التعقيد. غالبًا ما تحاط هذه الفكرة بالتشوش، ويساء فهم لامارك من هذه الناحية.

وجهت انتقادات لهذا النموذج النظري في تفسير التطور خاصة فرضية توريث الصفات المكتسبة التي فندتها بحوث مندل ومورجان، وأظهرت تجارب وايزمان طويلة الأمد على الفئران أن الخصائص المكتسبة غير متوارثة.

النموذج النظري الآخر هو “الطفرية” وقد تبناه علماء وراثة كبار مثل دي فريس، ويليام جوهانسن وهنت مورجان، ينادي أنصار هذه النظرية بأن القوة الخلاقة في التطور هو الطفرة، وأن للانتخاب الطبيعي دورًا ضئيلًا. والمشكلة التي يواجهونها هي كالتالي: إن كانت الطفرات عشوائية، كيف يمكن افتراض معرفة الطفرة بما هو صالح للحيوان؟ كما أن معظم الطفرات مضرة، وهي بهذا الحال تجعل العضو أسوأ حالاً. كيف تنزع الطفرات نحو الأصلح؟ لم يجب أنصار الطفرية على السؤال.

يبدو أنهم تصوروا أن في الجسم نزعة فطرية للتغيير في اتجاهات معينة، ولم يعتبروا أن الطفرات عشوائية.

وهنا يقع البعض بالتباس في تعريف العشوائية. فالطفرات عشوائية بهذا التعريف: “عدم وجود انحياز عام إلى التحسين الجسدي”، أما إن كنت تعرف الطفرة بأنها “تغيرات غير متأثرة بأحداث خارجية” أو “تساوي الجينات باحتمال طفورها” فالطفرات ليست عشوائية بهذا المعنى.

هنالك عدة صور مزعومة عن التطور الدارويني، وتفنيدها ومناقشتها ربما تحتاج إلى كتابة كثير من المقالات. العالم الدارويني يقول إن التباين عشوائي بمعنى أنه ليس موجهًا للتحسين، وأن النزعة للتحسين تأتي من الانتقاء الطبيعي.

المصادر:

ريتشارد دوكنز، صانع الساعات الأعمى

ديفيد كوامن، داروين مترددًا

اقرأ أيضاً: نظرية التطور حقيقة راسخة أم أكذوبة فاق عمرها 100 سنة؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق