ثقافة وفنون

النماء الحضاري (2)

الجزء الأول بقلم سهيل الكبيشي من هنا.

الحضارة هي تلك العوامل التي يتم من خلالها تصنيف المناطق والبلدان، من حيث إدراجها ضمن النماء الحضاري المتجدد، فالحضاري هي كل ما توصل إليه الإنسان من تطور وتحسين في الحياة العامة، وتسهيل لظروف الحركة والسكن وكل عوامل البقاء المتعددة، إضافة إلى تحضر الفكر الإنساني وارتقائه إلى مستوى الوعي والإدراك لكل المسائل الحياتية المتغيرة، وكيفية التعامل مع هذه المسائل.

عوامل النماء الحضاري 

تتمثل عوامل النماء الحضاري في العوامل التالية:

5. النمط العمراني: يمثل النمط العمراني للمدينة مظهرا من مظاهر التحضر و المدنية، ويترجم أفكار وتصورات أهل و سكان منطقة ما، بحيث يعد توزع الكتل العمرانية وتموضعها، وكيفية بنائها، وتقسيمها المساحات المخصصة لها، وكذا المساحات الخضراء المحيطة بها، وتوزيع المسالك المرورية حسب نوع المركبات، التي تتلاءم و المقاييس العمرانية الحديثة أو إعادة هيكلة للمدن القديمة و المنشاة سابقا، والتي لم تخضع للأسس الحديثة العهد، بحيث إلحاقها بالنمط الحديث للعمران، من خلال دراسات تحليلية شاملة للسكن و الإنسان و الأرض، و انجاز مخططات يتم فيها وضع الاقتراحات لبعض البنايات و المنجزات التي يعاد النظر في صلاحيتها، أو الحفاظ على البنايات القديمة و إدماجها بالطراز الحديث من حيث إضافة بنيات حول البنيات القديمة، وتركها شاهدا على الماضي العتيد الذي عمل الأجداد على بنائه و إقامة صرحه، حسب ما توصلوا إليه من علم و أفكار جسدوها بسواعدهم و إمكانياتهم المحدودة.

وعلينا اليوم أن نعمل على المحافظة على مآثرنا، وفي الوقت ذاته أن نعمل للبناء المتحضر و المبني على أسس و قواعد علمية مدروسة، إذ أن اهتمامنا بالنمط الحديث لا يعني إلغاء لماضينا و حضارتنا السالفة، و إنما هو مواصلة لما أراد الماضون تخليده، فلا ضير من نأخذ من هذا الماضي ما يمكن أن يتلاءم مع الطرق والإبداعات الحديثة، بحيث يكون في البناء الحديث ما يرمز للبناء القديم و يذكر به من ناحية الشكل، لأن البناء الحديث يعتمد على مواد ليست كالبناء القديم، فهي مواد ذات خصائص متميزة عن المواد القديمة و لا يمكنها أن تؤدي نفس الوظيفة، إذ أن المواد القديمة لا يمكن أن تصمد أمام النمط الحديث للبناء الذي يعتمد أساسا على بناء الطوابق و الهياكل المعقدة التصميم.

إن دراسة المدينة مهمة ليست باليسيرة، فهي تتطلب مهندسين وتقنيين أكفاء، لهم دراية تامة بهم خصائص المدن، وطرق إنشائها، بحيث يسهرون على البحث عن أساليب لتغير وجه المدينة إلى مدينة حديثة تتميز بكل المواصفات المطلوبة، من حيث توفير كل المتطلبات الحياتية، سكن، علم، تجارة، دين، إدارة ، رياضة، ترفيه، ووضع هذه المتطلبات بأماكن مناسبة، لا تتناقض مع أفكار المجتمع و عاداته، لا تتناقض مع التسيير الجيد للمدينة، من حيث توزيع المباني، وطرق بنائها. إن ما تعانيه المدن اليوم من كثافة و ضغط للسكان، إنما هو ناتج عن احتكار لمميزات المدينة في منطقة محددة، و عدم حصول بقية المناطق على نفس الميزات الحضارية، من توفر لاماكن العمل و سهولة و يسر المكاسب الحياتية، من ظروف للراحة والاطمئنان و الرزق، فادى ذلك إلى هجرة أصحاب الريف إلى المدن للاستفادة من هذه المكاسب.

إن الطريقة المثلى لخلق التوازن الحضاري بين أهل الريف و المدن، هي تمكين من الحصول على كل الإمكانات المادية، وتوفير كل ما يلزم من وسائل عمرانية، لتغير النمط العمراني للريف و تحويله إلى مدن حضارية بكل مواصفات المدينة الحضارية، وخلق نفس الظروف للمدينة الحديثة من حيث ما يبعث على تمكن الأفراد من الاستقرار بأماكن تواجدهم، وعدم النفور إلى المدن الكبرى. وبذلك نتمكن من السيطرة على النزوح الريفي، وبناء مدن جديدة و حديثة في آن واحد، تدعم السياسة العمرانية المنتهجة، وتعمل على تحويل المناطق البدائية إلى مناطق حضارية، تتميز بالواجهات العمرانية المنهجية، وتعمل على تحويل المناطق البدائية إلى العالم المتحضر ن بدون أن يتنقل الإنسان بنفسه إلى العالم المتحضر، فعوض أن يسهم في القضاء على أزمة ن يصبح سببا في خلق أزمة جديدة وهي ما تسمى اليوم بأزمة السكن.

6. العامل الروحي: إن العامل الروحي قوة لا يدرك كنهها إلا القليلون كونها تملأ الفراغ الروحي لدى الإنسان و تحوله من إنسان بصفته الحيوانية إلى إنسان يسير نحو السعادة و الكمال، فتدفع به هذه القوة الإلهية إلى التفكير في الكون وفي مخلوقات الله قال تعالى: (..و يتفكرون في خلق السموات و الأرض ربنا ما خلقت هذا باطل سبحانك..) فيحثنا الدين الحنيف من خلال هذا الكون للتمكن من معرفة سنن الحياة، و إدراك المعارف الغائبة عن الأذهان، و البعيدة عن البلدان، فيتمكن الإنسان من التخلص من الجهل و الخروج من الظلمة إلى النور، وبناء مسيرة الحياة المتجددة بالاعتماد على القواعد العلمية الدقيقة، وبذلك يعمل على تكوين الحضارة من أصولها و ثوابها.

و العامل الروحي المتمثل في الدين يعد عاملا أساسيا في بناء الحضارة بأن تصل إلى أعلى المراتب و القمم و أن تخوض أغوار العلوم و الميادين دون أن يكون الدين عائقا في ذلك، بل كان الدين سببا دافعا لقيام تلك الحضارة إلا أن ضعف الحكام أن ذاك تسبب في اندثارها و انتهاء زمانها، و تفتتها إلى دويلات كما هي عليه الآن، ولكن ليس من المستحيل أن نعيد الماضي من جديد، ونعمل على النهوض بحضارتنا الإسلامية من دون أن نلغي التطور العلمي الحديث الذي عرفه العالم اليوم.. ويتمثل دور العامل الروحي أساسا في توحيد الكلمات و الصفوف، ورفع الهمم و دفع الأفراد إلى العمل و المثابرة للقيام بأدوراهم في الحياة، فكل فرد له مهمة لابد أن يقوم بها على أكمل وجه، حتى تتجانس الأعمال ولا يكون عمل فيه إبداع و تطوير، و أخر لا إبداع فيه ولا تطوير فلا تتناسق بذلك الأعمال و يكون ميدان سابق جزء منها جزء آخر، ويتحكم العامل الروحي في العقل البشري فيرشده إلى الصواب، و يوضح له كيف و أين يستغل علمه ومعرفته التي توصل إليها من خلال بحثه، فالعالم بلا دافع روحي هو الهلاك نفسه، إذ أن هذا العلم لابد له من قائد حكيم، يعرف كيف يسير بعلمه دون أن يضر بالإنسانية، أو يعمل على بذل عمله في ما لا ينفع فيه، بل قد يصرف هذا العلم في ابتكار وسائل للدمار، وقهر الشعوب، ويجني بذلك العالم على الأمة أخطارا، ودمارا لا عنوان لهما.

فالعلم سلاح ذو حدين، لا يمكن للعالم أن يكون فيه صادقا، إلا إذا أرشده الدين إلى طريق الفلاح ووجهته الرعاية الربانية إلى منبع النور، فالعلم نور و منبعه ميدان صرفه، فهنيئا لك يا من أدركت منبع النور فكنت عالما مخلصا، مفيدا لك و لغيرك، ولامتك التي انتظرتك طول السنين، تبحث عن محرك لدواليبها، و مسير لإمكاناتها ومواردها، فها أنت اليوم ترفع الغبن عنها، و تزيل الكفر منا، بأفكارك و أرائك و علمك الغزير. وأنت أيها الشاب الغافل ألم يوقضك الأذان من نومك، لتستيقظ و تصارع ألياف الظلام لتخرج إلى مصدر النور و ترك رسالة الحياة، وتبدأ في العمل و الإبداع و البحث، فالمستقبل لا ينتظر أصحابه، بل هو في تسارع مع الزمن، لا يدركه إلا من سعى إليه، فعليك أن تسعى لأن دافعك الدين، و عليك أن لا تتخاذل لأن محاسبك الدين، وعليك أن لا تنظر من يدفع لك مالا لأن من اشتراك هو الدين.

7. العامل الفكري: و العامل الفكري هو الدليل إلى الحضارة، فالحضارة بلا فكر لا أساس لها، بل لا كيان لها، لأن بالفكر النير يدرك الإنسان أن من وحاجبته التحرر من مظاهر الضعف و التخلف، ويعمل على الحفاظ على المكتسب من الإيجابيات، و تطوير ما كان قديما، و التأقلم مع ما هو جديد، و التعامل مع المتغيرات من الأحداث بصفة المعنى بها لا المتتبع لأن المتتبع لا يملك سوى يقول رأيا، لكن المعنى لابد أن يدافع عن رأيه، و يحذر من العواقب الوخيمة التي قد تطرأ على الساحة.

ومن واجبنا نحن العرب إن ندرك مصيرنا المشترك، وأن لا نغفل عن هذا المصير، لأن لا مجال في الأيام القادمة للتفرق والركون إلى الذات الضيقة، لأن العالم الغربي برغم قوته إلا انه يهاب و حدتنا، ووحدة كلمتنا، وهو اليوم يسعى إلى بناء الوحدة الأوربية، ليرسخ أهدافه، ويدافع عن مصالحه وكيانه، فهل أدركنا نحن ما ينبغي علينا فعله، أم أننا لا زلنا في صراع مع أنفسنا، و تردد في وحدتنا، ومما لا ريب فيه أن الآحاد إذا اجتمعت تأبى تكسرا و إذا تفرقت تكسرت أحادا، فالأمل كل الأمل في وحدتنا و وحدة صفنا ضد ما يخبؤه الغرب لنا من مكائد ومصائد منها ما نعلمها ومنها ما نجهل مصدرها.

فقد عمل الاستعمار طيلة سنين عديد على القضاء على هويتنا و ثوابنا، ولكن لم يتمكن من ذلك فأجدادنا البواسل كانوا بالمرصاد لكل تلك المحاولات لطمس شخصيتنا وكرامتنا، فهم بذلك قد حافظو على إرثهم و تركوه لنا كي نحافظ عليه أيضا و لا نكون غافلين عنه، بل أن ندافع عن هذا الإرث بكل وسائلنا و أفكارنا لأنه يمثل مبدأنا في الحياة، ومبررنا في الوجدا ن فكما دافع غيرنا من غير العرب على إرثهم فنحن أولى منهم بالدفاع عن إرثنا و أصالتنا، ولا مبرر لنا أمام القادمين إلى الحياة من بعدنا، إذا لم نترك لهم ما يواصلون به مسير البناء، و الإنماء و العمل و النضال.

وهذه المهمة هي المهمة هي مهمتنا جميعا دون تهميش لطرف أو لآخر، فكما دافع الجميع على تحرير البلاد من العدو الظاهر، لابد علينا نحن أن ندافع عن البلاد من العدو الخفي، و الذي ما فتئ يدمر ويقضي على ما نملك من مصادر للقوة و البقاء، بكل الوسائل الممكنة، و إذا ما أحس بخطر قريب، فانه قد يستعمل الوسائل الحربية للقضاء على غيره، خوفا مما قد يصل إليه هذا الغير من تقدم وتمكن في الميادين ذات الأهمية المتميزة، و بالتالي يصبح تهديدا لكيانه و تواجده. لكننا نتساءل في الوقت نفسه، لمانا هذا الخوف من الدول العربية، إذا كانت هذه الدول تسعى لإثبات ذاتها، و الحفاظ على كرماتها، أما الدول الغربية تريدنا أن نعيش مكتوفين الأيدي، لا نملك قوة القرار، ولا التغير، و تفرض علينا القرارات تلو القرارات، فلا بد علينا أن ندافع عن أنفسنا مهما كانت العواقب و المبررات التي يريدها الغرب أن يقنعنا بها، بل نقول لهم اليوم، لقد أن لكم أن تمضوا و آن لنا أن نعود.

بقلم: سهيل لكبيشي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى