ثقافة وفنون

النماء الحضاري (1)

الحضارة هي تلك العوامل التي يتم من خلالها تصنيف المناطق والبلدان، من حيث إدراجها ضمن النماء الحضاري المتجدد، فالحضاري هي كل ما توصل إليه الإنسان من تطور وتحسين في الحياة العامة، وتسهيل لظروف الحركة والسكن وكل عوامل البقاء المتعددة، إضافة إلى تحضر الفكر الإنساني وارتقائه إلى مستوى الوعي والإدراك لكل المسائل الحياتية المتغيرة، وكيفية التعامل مع هذه المسائل.

عوامل النماء الحضاري 

تتمثل عوامل النماء الحضاري في العوامل التالية:

1. العامل السياسي: وهو توفر البلاد على تنظيم سياسي محكم مبني على قواعد مدروسة وفق المتطلبات المفروضة التي تعتمد عليها الأنظمة السياسية المتميزة والرائدة، بحيث يتم الإهتمام بالحكم من خلال الإهتمام بقواعد التسيير والمؤسسات الإدارية التابعة للدولة، من المؤسسات رئاسية وحكومية، تشرف على قطاعات القضاء والحكم و الدبلوماسية، وكذا بقية القطاعات الهامة، مثل التربية والتعليم والصناعة والزراعة والإيراد و الاستيراد وكل ما يلزم على الدولة تنظيمه ومسايرته.

وتعتمد الأنظمة الحديثة على الديموقراطية لأنها تمثل حكم الشعب، من خلال إعطاء كل الصلاحيات للأفراد في اختيار من يحكمهم، وتعمل على القضاء على مبدأ القطيعة بين الحاكم والمحكوم، بحيث تصبح الدولة لها مصداقية وشرعية تامة في تواجدها وما تقوم به من تغيرات وأعمال في صالح الأمة، إذ إن إي عمل يقوم به المسؤول إنما هو ترجمة لما يريد الأفراد القيام به، وبالتالي لا يكون هناك تضارب في الأفكار أو تناقض في الأهداف فالكل يعمل لهدف واحد، و إستراتيجية واحدة، وهي الخروج من الأزمة التي تعيشها البلاد وضمان حياة ملؤها السعادة و الكرامة، في كل الميادين والنواحي الإقتصادية والسياسية والفكرية.

وهناك أنظمة ثانية تعتمد على الحكم الملكي، أي حكم العائلة الملكية، بحيث يتم تغير الحاكم عن طريق التوارث، أو التنازل، ويستمد الحاكم نفوذه وقوته من سلطة الشعب وولائه له، إذ أنه لا مجال للمعارضة أو لتغير المناهج المعتمدة من طرف الدولة ,ولكن يمكن إجراء انتخابات على مستوى الأجهزة القاعدية فقط,والتي يسيرها أفراد يختارهم الشعب كما يعتمد النظام الملكى على الشورى في القضايا التي تتطلب ذالك، من خلال مجلس خاص يهتم بأغلب المسائل.

والعامل السياسي يعد من أهم العوامل التي يعتمد عليها في عملية الإنماء، لكونه سببا رئيسا في توحيد الآراء والصفوف، وحث الشعب على نبذ عوامل الفرقة والتشتت، و الإهتيمام أولا وأخيرا بالمصلحة العامة للبلاد ونبذ كل الخلافات التي تعمل علي القضاء على هويتنا وأصالتنا، ولا تخدم مستقبل البلاد والأمة على السواء، فأصل قوتنا في وحدتنا، ووحدة توجهاتنا وأفكارنا لأن بالوحدة نتمكن من تخطي كل العقبات والأسباب التي تعرقل عملية البناء والتنمية الحديثة.

فكلما كانت البلاد في استقرار وهدوء سياسيين، كلما كنت أكثر استعداد للاهتمام بالمشاريع التنموية والإقتيصادية ,ويتم التفرع للبحث عن أساليب للقضاء عن مظاهر التخلف والتقهقر الإجتماعيين ,والنهوض بالأمة إلى التحضر والمدنية والإبداع ,لأن ذالك هو الهدف الرئيسي والأمل الكبير الذي يتمناه كل فرد مهما كانت توجهاته وأفكاره وآراؤه.

2. العامل الاقتصادي: يعتمد الإقتصاد على عاملين أساسيين هما الصناعة والفلاحة، فإذا كانت البلاد تأكل مما يزرع غيرها وتلبس مما ينسج غيرها فهي بالأكيد لا تملك اقتصادا قويا، أي أن الإمكانيات لتنمية هذين القطاعين غير متوفرة أو غير مسيرة التسيير العلمي المطلوب، و ما نراه اليوم في بلادنا من موارد وإمكانات، إنما هو هبة من الله لابد من المحافظة عليها، وتسخير كل المجهودات لإستغلالها أحسن إستغلال، وتمكين البلاد من الإعتماد على ذاتها في الإنتاج، فبلادنا العربية تمتلك قوة الشباب، والشباب المتمكن فكريا وعلميا، غير أن الذي ينقص هو كيفية توجيه هذه الطاقات الفذة إلى ما يخدم المصلحة الكبرى والهامة، من خلال وضع سياسة ممنهجة ومدروسة لتمكين هذه الطاقات من التسيير والإبداع، وتوفير كل الظروف المادية والمعنوية من أجل الإستفاذة من الإمكانات المتوفرة لديها,وعدم هجرتها إلى البلاد البعيدة والغريبة.

و الاقتصاد هو السلاح الأكثر فعالية اليوم وتأثيرا على الشعوب، وخاصة الفقيرة منها، إذ أن الدول القوية أصبحت تستخدمه كوسيلة ضغط على غيرها من الدول، بحيث تكون الدول الفقيرة في تبعية غير معلنة لها ولا يمكن أن تستغني عن مساعداتها و منتجاتها الصناعية، الأمر الذي يعمل على تكريس سياسة التواكل على الغير، و الاعتماد على الآخر أيا كان هذا الأخر.

وعند ملاحظتنا للدول العربية نلاحظ أن أغلب هذه الدول تعتمد في إقتصادها على تصدير الموارد التي تتمثل أساسا في البترول ومشتقاته,بحيث تصدر مواردها إلى الدول الغنية والمتطورة مما يمكن هده الدول من السيطرة على هذه الموارد,واستغلالها أو تكديسها إلى حين نفاد مصادر إنتاجها، الأمر الذي يجهله الكثير من دولنا العربية، إذ أن نفاذ البترول معناه نفاذ المصدر الرئيسي لحياة هذه الدول,لذالك يجب علينا أن نفكر في بدائل للبترول، بمحاولة استغلال بقية الموارد، والتحضير لما بعد البترول.. إن الإقتيصاد هو مستقبل البلاد وأملها لضمان استمرار تواجدها وتواجد أفردها، فبدون إقتصاد قوي لا مكان لنا أمام العالم الحديث و المليء بالتغيرات في كل الميادين، والتي تعرف تميزا كبيرا، من خلال بلوغ هذه الدول إلى الاكتفاء الذاتي، وتصدير منتجاتها إلى الأسواق الخارجية، واعتماد تفوقها الإقتصادي كورقة رابحة للضغط على بقية الدول النامية والسائرة في طريق النمو..

إن هدفنا اليوم هو الوصول إلى مرحلة يتم فيها الاستغناء النهائي عن كل مظاهر التبعية الإقتصادية وما ينجر عنها من ضغوطات وتعسفات تتسبب فيها الدول الغنية، لأن الإهتيمام باقتصادنا وطرق إنمائه ضمان لعدم الوقوع في فخ التبعية، وضمان لبناء دولة قوية، تعتمد على نفسها في كل منتجاتها الزراعية والصناعية، وبالتالي نتمكن من منافسة غيرنا من الدول، وتصدير منتجات إلى السوق العالمية، والتحكم في هذه السوق لصالحنا ولصالح غيرنا من الدول ذات الاهتمام المشترك.

3. التقدم العلمي: إن من أهم العوامل التي تعمل على تطور وتقدم البلدان، الإهتيمام بالعلوم بكل أنواعها، التجريدية والتجريبية والتقنية، بحيث يتم الاستفادة من هذه العلوم في أغلب الميادين والمجالات، ولا يمكن لدولة ما أن تعرف للتقدم وجها، إلا بالتعلم والمعرفة، كما يقول صلى الله عليه وسلم [[ اطلبوا العلم ولو كان بالصين]]، حرصا منه على أهمية,إلا التعلم مهم كانت الظروف التي تحول دون ذالك، إذ أن بالعلم تتنور العقول وتتنوع المفاهيم، وتتضح الأفاق والأبعاد، فبدون علم يكون الإنسان كالسفينة بلا ربان، لا يمكنه السيطرة على ما حوله من مكونات الوجود، وتسخيرها لكيانه ولفائدته، فالكون مليء بالكنوز والمآثر، إلا أنه لابد من الإجتهاد للبحث عن هذه الكنوز واستثمارها لتكون بذالك مكسبا حقيقيا للبشرية والإنسانية. ولكي يتوصل العلم إلى مستويات كبرى من الأبحاث والإبداع لابد من إيجاد وتوفير كل التقنيات والوسائل الحديثة التي تسهل على العلماء القيام بدورهم الرئيسي في عمليات الاستكشاف و الإبتكار للمعارف العلمية المتجددة، فالعلم بحر لا تنتهي حدوده ولا تدرك أعماقه، لذالك وجب علينا الخوض في أمواجه بحكمة وإمعان، حتى نتمكن من صيد ما هو أفيد لنا ولحياتنا، وما نستطيع به أن نتفوق على غيرنا.

و بالتقدم العلمي تتضح لنا أفاق جديدة في ميادين متعددة، كانت في زمن ما غائبة عن وعينا وإدراكنا بعيدة عن تصوراتنا وأفكارنا، ولكن بالعلم شققنا طريقنا نحوها، غير مبالين بما قد يصادفنا من مخاطر وعواقب، إلا أن إحساسنا بضرورة تجسيد ما بخواطرنا ,هو الدافع لنا للجمود و الركود أمام ما نراه من غرائب ومعالم، تنتظر من يبادر لمعرفة ما يختبئ وراءها من المعارف والمتجسدات.. ويقول تعالى [[إنما يخشى الله من عباده العلماء]]، لأن العلماء يبحثون في أغوار الكون المجهول عن سنن هذا الكون، فيعرفون بذالك قدرة الله اللامتناهية في خلقه وإبداعه، ويبينون للعالمين أن خلق الله لا يضاهيه خلق، ولا يعادله ميزان، فهم بذالك يأكدون وحدانية الله، ويعلمون على إفادة البشرية بما يتوصلون إليه من علوم ومعارف، فيعلمون على إرضاء خالقهم ونشر النور الذي يقتبسونه على الأمم والكائنات.

فالدين الحنيف يحثنا على التعلم والبحث في ميادين العلم، من خلال الآيات القرآنية التي تدل على ذالك، و التي تحثنا عل معرفة الآيات الكونية وإدراك معانيها.. وحينئذ لا مجال لأي من أن يكون أن ينكر أهمية العلم، وضرورة بذل لكل الطاقات والإمكانات البشرية و المادية والمعنوية لصالح العلم والعلماء، وأن لا ندخر جهدا لذالك، فالعلم مستقبلنا ومستقبل أمتنا، وهو السبيل لنا للخروج من أزمتنا التي نحن فيها، إذا بالعلم يمكن لنا منافسة غيرنا، بما يعود بالفائدة والإصلاح على الإنسان، عكس ما يريده الغرب البغيض، والذي رغم وصوله إلى درجات كبرى من التقدم العلمي، إلا أنه لم يدرك كيفية استيغلال هذا التقدم، بل قام بتوظيفه في صنع وسائل الدمار والتخريب التي تقضي على عوامل الحياة، وتجسد مبادئ العنف و الاستعباد للشعوب الضعيفة، التي لا تملك القوة الموازية للدفاع عن مقوماتها والحفاظ عل تواجدها. لذالك من واجبنا أن نتسلح بسلاح العلم، لأنه الوسيلة المثالية التي تمنعنا عن كل ما يحاول الغرب أن يفرضه علينا، من قوانين وسياسات لا تنفعنا ولا تعمل إلا على دمارنا وتقهقرنا, فلنتعلم لكي نبقى و لنتعلم لكي لا نزول.

4. القوة العسكرية: تعد القوة العسكرية عاملا أساسيا في الحفاظ على كرامة وسيادة البلاد من كل أسباب الغزو و الإعتداء وهي رمز الشرف والوفاء، والتقدم والنماء، لأنها تعمل على توفير الأمن والأمان للمواطن والبلاد ككل، من خلال حرصها الدائم على المقومات الأساسية والثوابت الرسمية التي تمثل حرية وهوية الأمة، إذ أن بدون هذه المقومات لا يكون لهويتنا وجود,ولا يكون لناما ندافع عنه بعد ذالك، فالضابط العسكري إنما يدافع عن إرث كبير تركه لنا أجدادنا وشهداؤنا الكرام، ودافعو عنه بالنفس والنفيس، وقدموا أرواحهم الغالية فداء لحرية البلاد، وقدموا أرواحهم الغالية لحرية البلاد، ووفاء للعهد الذي قطعه على أنفسهم، وهو إما الانتصار أو الاستشهاد.

والقوة العسكرية هي الضمان الوحيد لدفع أي عدوان خارجي يمكن أن يستهدف البلاد، بحرا أو جوا أو برا، لذلك فانه كان من الضروري الاهتمام بكل هذه الأبعاد،وتكوين الإطارات و الشباب ذوو القوة و الاستعداد، لتولي هذه المهام الحساسة، ذات المكانة العالية و المرموقة من حيث خطواتها المكانية و المجالية، والتي تستدعي توفير كل الإمكانيات المادية و العلمية للحرص على بناء أسطول قوي و متميز، له القدرة على مجابهة كل الأساطيل الحديثة و المتطورة، و المعروفة في العالم الحديث. و بلادنا اليوم تولي اهتماما كبير بهذا الميدان، من خلال تكوينها لقوة عسكرية لا يستهان بها، أمام بقية الدول، و بإمكانها أن تجابه أي نوع من العدوان، مهما كانت مكانته و قوته، بحيث تم تكوين القوات العسكرية البارزة، وذات الإمكانيات العلمية و التقنية الحديثة، التي تتلاءم مع التغيرات و المستجدات العلمية المتجددة، من أنظمة و وسائل تقنية جد حديثة، من طائرات وباخرات ومدرعات ودبابات ورادارات متنوعة الصنع، يسيرها شباب له قدرة فائقة على الإدراك والتسديد للأهداف المطلوبة.

لكن العالم الغربي في العصر الحديث أصبح يستعمل وسائل جديدة أكثر خطورة و تأثير، و هو ما يسمى اليوم بالسلاح النووي، بحيث أن العالم الغربي احتكم هذا السلاح لنفسه، و حرمت كل الدول، وخاصة العربية منها من اقتنائه أو صنعه، خوفا على مصالحها و أهدافها ، المتمثلة في السيطرة و الهيمنة على ما يمتلكه العالم العربي من إمكانيات و موارد هامة، بل و يهدد كل من يعمل على صنع هذا النوع من الأسلحة، و كلنا يتذكر ما قامت به أمريكا في اليابان خلال الحرب العالمية الأولى في ولايتي نكازاكي و هيروشيما، و ما حدث في روسيا من انفجار لمركب نووي أدى إلى القضاء على العديد من الضحايا الأبرياء، فمن يتحمل كل هذه الخسائر و النتائج الغير مرضية؟

إنه لا شك العالم الغربي الذي ساهم في ذلك. و نحن نتساءل إلى أين سيسير بنا الوضع على هذا الحال، إذا ما بقيت الصراعات النووية قائمة دون تفكير في طرائق للقضاء عليها، و تخليص البشرية من أثارها المادية والمعنوية الفائقة الخطورة، و إلى متى يحرم عالمنا العربي من التعامل في هذا الميدان، و يبقى مهددا من طرف الدول الغربية التي تمتلك القوة و النفوذ العسكريين، و تستغلهما للقضاء على هويتنا و تواجدنا. إلا انه علينا اليوم كأفراد أن ندرك العمل الذي تقوم به قواتنا العسكرية، ونعمل على تدعيمها معنويا لتواصل أداء مهمتها الشريفة، في الدفاع عن مصالح الأمة وثوابتها، وتزداد قوة وتمكنا و تثبتا،  في هذه المهمة الصعبة و الأساسية لضمان بناء أسس حضارية متينة لامتنا، الأمر الذي يدعنا لا نتردد في أن نسهم بكل إمكانياتنا للدفاع عن تواجدتا الحضاري ضمن الحياة المتجددة و المتغيرة يوما بعد يوم، فإذا كان كل منا قائما بدوره كما ينبغي في ميدانه الذي يعمل فيه، فإنه لا محالة سوف نتمكن يوما ما من أن نكون سادة العالم ورواده بلا منافس أو مناقض لأفكارنا و ثوابتنا الأصيلة.

seheil lekbichi

متخرج من جامعة المسيلة بالجزائر دبلوم التسيير و التقنيات الحضرية
زر الذهاب إلى الأعلى