مدونات

النفس تخشى مكروهاً أصاب غيرها

كلما تقدم بنا الزمن؛ نلاحظ زيادة المشكلات والأعباء النفسية، فتزداد معدلات الاكتئاب والوحدة، مما يؤدي لحدوث اضطراب أو خلل في أداء الشخص لدوره الطبيعي كإنسان من جهة، وكفرد اجتماعي من جهة أخرى، فأغلب الأشخاص يجدون الراحة في عدم كشف ما بهم، والبعض الآخر يرونها في البوح بما يسبب لهم الأذى ليرتاح أو يزيحوا الحمل عن كاهلهم.

خطوات تدريجية

تعلمت منذ الصغر أن الجملة تتكون من عدة كلمات، والصلاة تتكون من مجموعة أركان، و كذلك المشكلات تتكون من مجموعة تراكمات صغيرة تؤدي إلى مشكلة نفسية كبيرة، فإن رماك أحدهم بكلمة أصابت مشاعرك أو لمست جروحك، فتثار نفسك وتشعر بالألم الذي بناءاً عليه تبدأ في استدعاء كل التراكمات الصغيرة لهذا الشخص لتبني صرحا من السلبيات أمامك، لتجد نفسك أمام شخص لا تعرفه وفي الحقيقة أنت كونت شخصية جديدة أمامك بسبب طريقة الاستدعاء التي استخدمتها، فإذا فإن المشكلة تمر بمراحل مختلفة واحدة تلو الأخرى حتى تصبح مشكلة تؤثر عليك حتى وإن تأخرت أعراض ظهورها، فالاكتئاب، و العزلة، و الإنطوائية؛ كلها آثار تنتج عن التراكمات ولا تحدث فجأة دون سبب أو لسبب واحد حتى.

ما الحل؟

1.  الناس طباع

كل منا يعبر عما بداخله بطريقته الخاصة، فمنا من يختار الحديث مع أحد أقرانه، أو لنكن منصفين هو لا يختار، بل هذا موجود في طابعه، وهذا النوع يتمكن من تخفيف الحمل الداخلي له.

وهناك نوع آخر يكاد يحكي لجميع من حوله الموقف قبل حدوثه، وفي الغالب فإن هذا النوع يتمتع بدرجة كبيرة من السلام الداخلي، فتجد أصحاب هذا الطبع يحكون ما بداخلهم لجميع الناس دون خوف أو خشية من أحد، فشاغلهم الوحيد عدم السماح لتلك المواقف أن تبني من التراكمات بداخلهم ما لا يستطيعون مواجهتها، فيتمكنون من هزيمة تلك المواقف واحدة تلو الأخرى قبل أن تتحول إلى صرح من التراكمات.

أما النوع الأخير من الناس فهم من يعيشون في أعباء نفسية لا حصر لها وتجعل حياتهم كئيبة جدا، هذا النوع الذي يفضل الكتمان، الذي يخشى أن يظهر ضعيفا حتى أمام أقرب الناس إليه، الذي يخشى أن تهتز صورته المثالية أمام أقرانه وجماعاته، هذا النوع كلما مر بموقف يضايقه يدخره في نفسه ويخفيه خلف ابتسامته المصطنعة، ويعيش أصحاب هذا الطبع من الناس حياة غير مستقرة، حياة مزاجية تتأثر بالمواقف المتشابهة، وتخشي جدا المواقف التي تستدعي التراكمات القديمة.

2. النفس تخشى مكروها أصاب غيرها

ستجد في طريقك، أو لعلك تعرضت قبل ذلك كثيرا لسماع قصة مرض أحد ما، أو قصة كفاح أخر، أو بعض الظروف القاسية التي يمر بها أحدهم، و أعلم أنك تتذكر جيداً أن كل ما انتابك في تلك اللحظات شعورين متوازيين : الشعور الأول فيهما الإحساس بالحمد والشكر لله عز وجل أنك لم تصاب بمثل ما أصيب هذا الشخص، والشعور الأخر هو تناسيك كل هم ألَمَّ بك وشعورك أنك الأفضل، وتختار أن تظل بهمومك وألا تبتلى بما أصابهم.

ففي قصة العجوز الصيني الشهيرة حيث كان يذهب إليه الناس ليحل لهم مشكلاتهم؛ فقرر العجوز الصيني أن يجعل كل شخص يكتب مشكلته في ورقة ويضعها في صندوق ثم يمر عليه بعد أسبوع، ففام الجميع بتنفيذ أوامر العجوز، وبعد أسبوع مر عليه الناس فقال لهم اذهبوا للصندوق وستجدوا الحل، فمد كل شخص يده ليخرج ورقة بها مشكلة ليست مشكلته، فيذهب كل منهم مهرولا للعجوز قائلا هذه ليست مشكلتي أنا أريد مشكلتي أنا فقط.

لذلك فإن من أفضل الطرق لعلاج الظروف التي ينتج عنها تراكمات وأثار نفسية هي طريقة المقارنة بين ما تعاني به، وما يعاني به غيرك، فالنفس تخشي ما حط بغيرها أن يصل لها.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

 
الوسوم

أسامة شعبان

ما بين ميلاد و وفاة رسالة لازم نأديها "طالب علم "

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق