مدونات

النفاق روتين والمادة تشتري النفوس.. كيف ننتصر في معركة الضمير؟

ليس هناك أسمى وأنبل من ذلك الشعور بأنك انتصرت في معركة مقاومة الرغبات والنزوات، من أجل ذلك الضمير وتلك الضوابط التي تربينا عليها. كيف يمكن للإنسان أن يعتقد بأنه ضعيف وهو قادر على ضبط نزواته وعواطفه من أجل ربه وضميره ومعتقداته وتلك العادات التي ترسخت به.

ليس على الإنسان أن يفكر طويلًا حتى يدرك أن الله لا يختار له سوى ما يستحق وأن كل شيء مقدر له من قبل ولادته، لذلك يجب عليك ألا تقلق أبدًا فالله متكفل بك منذ زمن طويل وأنت لا تدرك ولكن عليك أن تكون قوي بما يكفي حتى تستطيع الاستمرار والطريقة الوحيدة لذلك أن تستمد قواك من تلك القوة الإلهية العظيمة لا تعتقد أبدًا أن الله لا يحبك فهو يحبنا جمعيًا ويختبرنا دائمًا وفي كل مرة أتيقن بأنه يحبنا أكثر مما نعتقد وأكثر مما نحب نحن أنفسنا.

الضعف البشري وإمكانية مقاومة الرغبات

وفي كل مرحلة من مراحل العمر عندما نتقدم بالسن نكتسب العديد من الأمور ونضيف لشخصيتنا أمور جديدة ونصبح أكثر نضجًا ووعيًا، لكن في المقابل نخسر أشياء ولحظات وأشخاص ومشاعر. ولطالما اعتقدنا بأن خسارتنا كانت دائمًا أكبر مما اكتسبنا ولكن ذلك غير صحيح فنحن نتعلم كل يوم ونتقدم ونصبح أقوى نحن ننكسر من الداخل ونمضي، نتألم ونتعذب لكن نستمر من أجل أنفسنا فقط ليس لأجل أي شخص آخر.

نحن عندما نخطئ قبل أن نؤذي الآخرين نؤذي أنفسنا أكثر مما نؤذيهم وأنا أؤمن بأن أكبر خطأ يرتكبه الإنسان هو إيذاء نفسه من أجل إرضاء الآخرين أو إيذائهم بهدف الانتقام. فحسب اعتقادي أن السعي لإرضاء الناس هو ليس بالأمر المستحيل بل هو شيء تافه لا قيمة له ليس عليك أن تقلق لرضى الآخرين المهم أن يرضى الله عنك وأن ترضى أنت عن نفسك فالإنسان يولد وحده ويعاني ويتألم وحده ويموت وحده فلماذا كل هذا القلق.

كم هو غريب ذلك الإنسان يدعي كل هذه القوة والعظمة مع أنه أضعف مخلوق على وجه الأرض هو ضعيف لدرجة أنه أصبح عبدًا للمادة وللتكنولوجيا السخيفة ولآراء الآخرين غير قادر على مقاومة الرغبات ولو أنه قوي كما يدعي لما رأينا كل هذا النفاق والعبودية والإذلال، لست أقصد هنا فقط في المؤسسات والشركات ومكان العمل بل على جميع مؤسسات الحياة؛ داخل الأسرة وبين الأصدقاء وعلى جميع الأصعدة.

عندما يتحول النفاق إلى روتين

يستعد العديد من المنافقين في العمل للتخلي عن مبادئهم وأخلاقهم وأيضًا كرامتهم من أجل المنصب والمال حتى لو كان ذلك على حساب آخرين لا ذنب لهم، وكم هم المنافقون داخل الأسرة الواحدة فهناك بعض العائلات تفضل فرد على آخر لأنه فقط يملك مالًا أكثر من أخوه أو أخته. لا أعرف متى أصبح المال يقيمنا بأننا أفضل من الآخرين، متى أصبح العالم مهوسًا بالمادة لتلك الدرجة، أين ذهبت الأخلاق والمبادئ الإنسانية التي لطالما حرص المجتمع والأسرة على زرعها بنا. فمن السهل جدًا الحصول على المال هناك طرق كتيرة لتكوين ثروة كبيرة في زمن قياسي. كم هي الطرق متعددة إلى الحرام وطريق الحلال واحد.

لا يوجد أمر صعب على الإنسان الحقيقي إلا عندما يجد نفسه يعيش في مكان لا ينتمي إليه، عالم غريب عنه لا يعني له شيء.

هذا العالم الذي نعيش فيه اليوم عالم الغش والنفاق، أصبح الجميع يسعون إلى الماديات لتحقيق أهدافهم وإشباع رغباتهم، وليس مهم مقاومة الرغبات الغير سوية، بل أصبح الهدف فقط أن تتحقق.

وتشعر بأنك غريب مضطهد إن كنت صادق لا تنافق ولا تجامل، والغريب بأن الجميع يستهجن تصرفاتك. ولكن رغم كل هذا الضجيج حولنا هناك أشياء عظيمة ولحظات جميلة ومواقف رائعة تستوجب علينا أن نكون متفائلين سعيدين راغبين بالحياة دائمًا نسعى لتحقيق النجاح سواء على الصعيد المادي أو المعنوي والعاطفي. لكل شيء ضريبة فلا يمكن لنا أن نحصل على كل ما نريد ونأخد كل ما نرغب. ليس هناك كمال الكمال فقط لله، مع أن هدف الإنسان في الدنيا هو تحقيق الكمال والحصول على كل ما يرغب، لكنه أمر مستحيل ونحن نعلم ذلك ولكننا نحاول ونفشل ومن ثم ننهض ونكرر المحاولة.

كيف تحول الإنسان إلى شخص طماع شجع يريد كل شيء، لماذا نحن هكذا هل هو الطموح أم الطمع أم مجرد شهوة أم هي رغبة بالتعويض عن نقص معين، كيف بإمكاننا أن نقنع أنفسنا بأنه ليس لنا الحق في أن نمتلك المال والصحة والشباب والسعادة والحب والعائلة جميعًا في آن واحد، كيف يمكن أن ننكر حقيقة أن كل شيء يبدأ كبير وينتهي لأنه أصبح صغير وضعيف. حتى صدمة الموت تكون كبيرة وتدريجيًا تتلاشى، والحب أيضًا في البداية يكون عظيم كبير ولكنه مع مرور الأيام إما أن يقل أو يصبح روتين يومي أو ربما يتحول لعداوة وكراهية. لذلك لابد أن تحاول العيش بسعادة وهدوء ويمكن تحقيق ذلك في الرضا النفسي والسكون الداخلي.

مقاومة الرغبات تضعف أمام إغراء المادة

يمارس الإنسان الظلم تجاه أخيه الإنسان اليوم بشكل هو أكبر مما يتصوره العقل، ظلم غريب كأن الإنسان مستعد ليفعل كل شيء قبيح للوصول إلى غايته وهدفه. كيف ومتى تحول الإنسان بهذه السرعة إلى وحش قبيح في التصرفات وكيف له أن يكتسب جميع المبادئ اللا إنسانية واللا أخلاقية.

ويظلم الأطفال في هذا المجتمع المريض، ويحكم عليهم من خلال صورة نمطية عقيمة فلازال العرب إلى يومنا هذا يفضلون الذكور على الإناث ويبذل كل من الزوجة والزوج ليكون المولود ذكرًا، قد ينفقون الكثير من الأموال ليأتي هذا الذكر وعندما يأتي تبدأ الاحتفالات والترحيبات في حين أن المولود لا يعي شيئًا وليس له ذنب بما يحدث، والجميع يصبح خادمًا له الأخت والأم والأب؛ لما لا وهو الوريث المنتظر وكأن الفتاة لا قيمة لها فيحصل على كل شيء وفي المقابل تحرم شقيقته من أجل ألا ينقص ميراثه. ومن قال للمجتمع إنه يريد كل هذا فهو مظلوم أيضًا بالصورة النمطية التي رسمها المجتمع له والجميع يطبقها وعندما يكبر يصبح فاشلًا لأنهم هم من صنعوا هذا الفاشل والمضحك المبكي. إنهم يتسألون لقد أعطيناه كل شيء لماذا هو فاشل؟ غريب كيف لهم أن يتسألوا عن صنع أيدهم.

وتعد العنصرية  أكثر ما يعيب المجتمعات، لدرجة أن تصبح جميع المجتمعات عنصرية بشكل غريب إلا قلة غير مرئية، من الذي وضع هذة القوانين والمبادئ ومن هو الذي شرع العنصرية. هناك تميز كبير بين أسود وأبيض بين مسلم وكافر بين منافق وصادق وبين رجل وامرأة.

وأصبحت الرذيلة أمر طبيعي، الخيانة شيء عادي، أن تكون شخص طيب دون أي هدف أو غاية أمر مستهجن، يشككون بطيبتك، يريدونك مثلهم وعندما تتصرف على تلك القيم التي تربيت عليها والمبادئ التي يجب أن يقوم عليها المجتمع يظنك الآخرون أنك تخطط لمؤامرة ضدهم أو ربما تكون جاسوس وعميل لصالح أعداءهم.

وأصبح الواقع أنه لا أحد يحب أحد، وتلك هي الحقيقة المرة لكل العلاقات في هذا الزمن مبنية على مصالح مشتركة للأسف، عندما تعيش في هذا المستنقع وتنتمي إليه كم من الوقت استغرق هذا المجتمع حتى وصل لما هو اليوم عليه؟، في الحقيقة الكل ينقلب على الكل. لماذا هذا الصراع والحقد الطبقي لطالما كانت الصراع الأزلي في هذا المجتمع هو الصراع الطبقي والفشل في مقاومة الرغبات المستهجنة.

الإنسان عبد للمال وللعمل وهو قادر على نسيان كرامته من أجل المال هو مسير فقط لإشباع رغباته القبيحة وهو القادر على إثارة حرب كاملة فقط للحصول على ما يريد، يستخدم جميع الطرق اللا مشروعة لإثارة الفتن أصبح أجواء العمل في معظم المؤسسات مقيتة

سقوط الأقنعة

أما بالنسبة للخوف، فهو أكثر ما يؤرق الإنسان وخاصة الخوف من المجهول، الخوف من المستقبل، الخوف من عدم إمكانية تجميع الثروة التي طالما حلم بها، الخوف من عدم الوصول إلى ذلك الطموح الذي ربما مايزال الطريق إليه طويل، والخوف من مخالفة الصورة النمطية التي رسمها مجتمع مشبع بعادات وتقاليد وهو في الأصل غير مقتنع بمعظمها ولو كان الإنسان ذكيًا بما يكفي لترك هذا الخوف الغير مبرر لأنه عندما يكون إيمانه صادق نابع من القلب لن يكون هناك خوف، لأنه سوف يؤمن أنه كله بيد الخالق الرزق والصحة والمستقبل والطموح، ولكننا حتى في إيماننا مزيفين.

وعن الشرف والأخلاق، لا تقنعي أبداً فكرة أن الظروف هي من تجبر الإنسان على الوقوع بالحرام والخطأ فمن يريد الحرام سوف يذهب إليه ومن يريد الحلال لن يقع في الحرام أبداً فالرجل الشريف لن ينظر إلى ما بأيدي الآخرين لأنه مقتنع تمامًا أنه ليس من حقه. وكذلك المرأة الشريفة تقتنع بما قسمه الله لها حتى ولو كانت ظروفها صعبة فهي تحاول دائمًا الابتعاد عما يضعفها لتبقى قوية محترمة في نظر الله ونظرها.

أما العادات والتقاليد، لطالما كان المجتمع منقسم إلى قسمين القسم الأكبر وهو المؤيد لهذة العادات والقسم الآخر المحارب لها والذي يجاهد لمحاربتها ولكننا جمعيًا متآثرين بها ولا يمكن لأحد إنكار تأثرنا بها. فعلى سبيل المثال الموظف يجتهد للحصول على الترقية ليس فقط من أجل نفسه بل أيضًا لأنه يحب أن يرى صورته في وجه الآخرين فهو يحتاج لآرائهم ويحتاج تقديرهم ويتأثر بهم وبوجه نظرهم رغم إن هناك العديد من النظريات التي تؤكد على ضرورة تجاهل آراء الآخرين إلا أننا لا نستطيع بشكل كامل فالإنسان عندما يولد يبدأ الأهل بتربية الأبناء بالاستعانة بالقيم والعادات والتقاليد المتبعة والسائدة في المجتمع الذي ينتمون إليه فأصبحت هذة العادات والتقاليد جزءًا من شخصيتنا وطبعنا وأفكارنا التي لو حاولنا كلما تقدمنا بالعمر بمحاربه بعضها أو الثورة عليها إلا أن جزء لا يستهان به سوف تبقى معنا لأنها جزء لا يتجزأ عنا.

كم هو صعب شعور الوحدة لدرجة شعورك بأنك منسي لا يلجأ إليك الآخرين إلا من أجل مساعدتهم في حل مشاكلهم من أجل مصالحهم هل أصبحت الدنيا قائمة على هذا المبدأ أم إنها هي هكذا منذ البداية أصبحت الصداقة الحقيقة شيئًا نادر عملة صعبة بكل معنى الكلمة فأصبح الإنسان يفضل البقاء وحيدًا بعيدًا رغم حاجته الكبيرة للصداقة الحقيقة لأنه أصبح محاط بكم كبير من النفاق. وهنا يكون مقاومة الرغبات عامل جيد فالوحدة أحيانًا تكون مفيدة.

لكل إنسان أسرار خاصة به ويمكن لبعض هذة الأسرار أن يشاركها مع بعض الأصدقاء أو مع بعض أفراد أسرته ولكن لطالما كان لديه أيضًا أسرار لا يعلمها سوى الفرد نفسه والله فقط أسرار يخاف أن يشاركها مع أي شخص آخر تعتبر خاصة وسرية لدرجة عالية لأن في كشفها سوف يسقط ذلك القناع الذي يضعه أمام الآخرين.

لجميعنا قناع نرتديه متى أردنا نخاف أن نكون واضحين صادقين والبعض يرتدي هذا القناع المزيف أمام نفسه ولكن لابد من وجود سبب حقيقي لوجود هذا القناع نعم هو الخوف لا شك في أننا في خوف دائم من ظهور صورتنا أمام الآخرين، فنحن نسعى بشكل دائم إلى تجميل صورتنا بعيون الآخرين فنصنع العديد من الأقنعة تختلف حسب المواقف وحسب علاقتنا بالأشخاص الذين نصادفهم يوميًا ولكن السؤال الأكبر لماذا لا نكون أكثر وضوحًا أكثر صدقًا وشفافية مع أنفسنا ومع الآخرين، وماذا يعني لو عرفوا أنني ضعيف الشخصية سليط اللسان غير اجتماعي وأنني أخفي العديد والعديد من الأسرار

لم يعد شيء كما كان سابقًا، الجميع تغير ولا يزال يتغير، كل يوم شخصية جديدة، أصدقاء جدد، واكتساب مهارات جديدة، ومعركة جديدة لمقاومة الرغبات، أشخاص يدخلون حياتنا وآخرون يرحلون.

 

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

تعليق واحد

  1. مقال شيق و صادق و يعكس الواقع بكل ألمه و أماله أبدعتي نعمت كما عهدتكي متألقة و رائعة و خصوصا صادقة إلى أبعد مدى أحبك في الله يامن جمعتني الغربة فكنتي نعم الأخت و الصديقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق