سياسة وتاريخ

الاتجاهات المختلفة في النظرة إلى تجديد الخطاب الديني

قضية تجديد الخطاب الديني أو بالأحرى قضية تجديد الفكر الديني، قضية يقصد بها في الأصل معالجة القضايا العصرية بما يتوافق مع ثوابت الدين، ويخدم المصلحة العامة من التشريع، باعتباره جاء لمصلحة الناس جميعا.

الاتجاهات المختلفة في تجديد الخطاب الديني

ولكننا رأينا ثلاثة اتجاهات مختلفة في معالجة هذه القضية، و،هي على النحو التالي:

الاتجاه الأول:

وجد في قضية تجديد الخطاب الديني فرصة لينال من شريعة الإسلام كله، محاولًا إرجاع أسباب تخلف المسلمين عن ركب الحضارة، وسبب ما يعانونه من فقر وإرهاب ومرض، أو ما يشيع فيهم من روح التعصب وعدم قبول الآخر، ويحاول أن يلصق ذلك كله بالإسلام عمومًا وبالتراث خصوصًا.

بل يريد أن يوجد أوجه تشابه بين حركة التجديد في الفكر المسيحي، التي وجدت بعد فتح القسطنطينية والتي تزعمها الفلاسفة الأوربيون، وكان لها الفضل في فصل الحياة الاجتماعية والسياسية عن هيمنة الكنيسة ورجالها، وهو ما أوصل الأوربيين إلى عصر النهضة الحديثة، فيحاول أن يوجد بذلك علاقة للثورة على القديم كله؛ باعتبار الدين مانعًا من التقدم والتحضر.

بل لعل تسمية القضية بقضية الخطاب الديني وليس “الفكر الديني”، ترجع في أساسها إلى نفس التسمية التي اشتهرت في عصور النهضة الأوربية، وهذا يدل دلالة صراحةً على ما يحمله هؤلاء من حقدٍ على الإسلام.

وهم في سبيل الدعاية لرؤيتهم الباطلة يلصقون كل التهم بالتراث الإسلامي، فيقولون:

  • أن الأحاديث لم تكتب أو تدون إلا بعد قرنيين من وفاة النبي صلّى الله عليه وسلم، وهذه الفترة الزمنية كانت كفيلة بعدم ضبط رواية الأحاديث.
  • أن الأحاديث النبوية تتعارض مع القرآن الكريم في أحكامه وتشريعاته، وهذا يدل عندهم على عدم الوثوق في الأحاديث النبوية كمصدرٍ أصليٍ في التشريع.
  • وجوب الاكتفاء بالقرآن الكريم كمصدر أوحد للتشريع.
  • الاعتماد على العقل وحده في تفسير القرآن الكريم، بما يتناسب مع طبيعة العصر وتوجهاته.
  • الاستعانة بالعلوم الإنسانية في تفسير القرآن الكريم.

خطورة هذا الاتجاه:

ولا شك أن أصحاب هذا الاتجاه يريدون:

  • محو الإسلام بالكلية؛ إذ بتشكيكهم في منهاج المحدثين وفي كتبهم المعتمدة التي قبلتها الأمة، هم بذلك يفصلون القرآن عن السنة النبوية، فلا يتبين لنا مراد الآيات.
  • بفصل القرآن عن السنة لن تعرف الأمة عام القرآن من خاصه، ولا محكمه من متشابهه، ولا مطلقه من مقيده، ولا مجمله من مفصله، وبالتالي تضيع أحكام الدين وأحكام الشريعة.
  • دعواهم تحريف صريح للدين الإسلامي وصيرورته كغيره من الكتب السماوية التي حرفها أتباع هذه المذاهب.

الاتجاه الثاني:

هؤلاء أرادوا حلًا وسًطا، فهم لم ينادوا بإلغاء التراث كله ولا ترك الأحاديث كلها، بل دعوا إلى تنقية التراث من الثقافات التي لا تتناسب مع عصرنا، وقد دفعهم إلى ذلك عدم الثقة في التراث الإسلامي، والإحساس بالصغر أمام التقدم الأوروبي، فأرجعوا تخلف الأمة إلى بعض الثقافات الموروثة عن التراث فزعموا أن:

  • التصوف نشر فكر الرضا بالدون والاستسلام والخنوع؛ لأنه يدعو إلى التوكل والزهد والصبر.. إلخ.
  • التخلف أثر عن غياب النظرة العلمية والحضارية الموروثة عن التراث.
  • الفقر أثر عن غياب النظرة الاقتصادية في التراث الموروث.
  • الهزيمة الحضارية مرجعها إلى فكرة الإيمان بالقضاء والقدر.
  • الإرهاب أثر عن التكفير والتعصب والرأي الأوحد في التراث الموروث.

ويرى هؤلاء ضرورة الثورة على التقاليد الموروثة التي أثرت على وعي الأمة، وأخرت نهضتها على النحو التالي:

  • الاعتماد على العقل والفكر الحر في التعامل مع مختلف القضايا، مستشهدين بالفكر المعتزليّ، إذ روجوا لفكرة النهضة الحضارية الإسلامية لجهود المعتزلة واعتمادهم على العقل دون الشرع.
  • ترك المنهج الأشعري الذي يعتمد على فكرة أنَ “الله هو الفعال المتصرف بالكون بمطلق القدرة والإرادة والعلم”، والزعم أن هذا الفكر قد قطع بين الإنسان وواقعه، وجعله مقيداً لا يستطيع تغييره.
  • الاستفادة من المذاهب الطبيعية، لأنها تربط الإنسان بالطبيعة، حيث يكتشفها ويتأثر بها ويؤثر فيها.
  • الاستفادة من المذاهب الإنسانية في نقل الإنسان من التأثر بالموروث الثقافي إلى التعامل مع العصر ومتطلباته.
  • الاكتفاء ببعض كتب الحديث وإلغاء ما لا يتناسب منها مع واقع الأمة ومشاكلها المعاصرة.
  • نشر ثقافات جديدة تنفعل بها الجماهير وتتأثر بها؛ وذلك لمواجهة الثقافات الموروثة.

وهذا الاتجاه قد يكون أخطر من سابقه؛ فهو يقوم في الأساس على فرضياتٍ لا أساس لها في التراث الإسلامي، فهذا التراث الإسلاميُّ كان متعدد الاتجاهات والمذاهب، وكل هذه الاتجاهات قد شاركت في بناء الحضارة الإسلامية التي حكمت العالم ألف عامٍ، والإسلام لم يصادر العقل، بل على العكس من ذلك، فالشرع والعقل عندنا متوافقان لا متنازعان، والرد على هذا الاتجاه ليس هذا محله ولا موضعه.

الاتجاه الثالث: المعتدل

وهذا الاتجاه نظر إلى القضية على أن التجديد سنة الحياة، وأن العصر له متطلباته ولغته وقضاياه المستحدثة، التي يجب وأن يعبر عنها وأن يتعامل معها فقهاء الإسلام وعلمائه، وهؤلاء يقوم مذهبهم على أن:

  • التراث الإسلامي هو شرف الأمة وحضارتها الذي يجب الدفاع عنه ضد الطعون التي توجه إليه، وهذا ليس تعصباً للتراث، وإنما بيان لحقيقة التراث وأثره على تاريخ الأمة وحاضرها ومستقبلها.
  • سوء فهم التراث لا يعني إلغاء التراث أو التماس البديل عنه، بل يستوجب استنهاض الهمم لفهمه وتقديمه في ثوب يتناسب مع لغة العصر.
  • التعامل مع القضايا المستحدثة من خلال مصادر التشريع المعتمدة لدى جمهور الأمة، وهذا مما لا بد منه؛ إذ الإسلام جاء لحل مشكلات الواقع ومعالجة قضايا الأمة.
  • الاستعانة بشتى التخصصات والمذاهب للتعامل مع قضايا العصر، وهذا لغياب العلماء الموسوعيين، وغلبة التخصص العلمي الدقيق على كل فروع العلم.
  • تغيير بعض الثقافات الموروثة التي لا تتناسب مع سماحة الإسلام، والتي قيلت في مناسبات بعينها ولعلاج مشكلات بعينها، والتي يجب وألا تعمم في كل العصور ويتعامل مع كل قضية على أساسها، وذلك كقضايا التكفير، وقضية المواطنة، وقضايا المرأة عمومًا، وقضية التعايش السلمي بين الشعوب، وأساس العلاقات بين الأمم، وقضايا الإرهاب، وقضية تقسيم العالم إلى دار السلم ودار الحرب، وقضية النظم السياسية ونظم الحكم، إلى غير ذلك من القضايا التي تخضع لظروف العصر، أو التي يساء فهمها لدى البعض، أو التي غلبت فيها العادات والتقاليد على الشرع الحنيف.
  • ضرورة تبسيط لغة العلوم وإخراجها في صورة تتناسب مع لغة العصر وطبيعته، وهذا من الأهمية بمكان خاصة لدى الناشئة الذين يجدون صعوباتٍ في التعامل مع مصطلحات العلوم وتشعب مسائله، ولغته العميقة.

وهذا الاتٍّجاه الأخير هو الاقرب إلى روح الإسلام وطبيعته، والذي ينسجم مع التشريع الإسلاميِّ، وفيه الحفاظ على الهوية الإسلامية، والتأكيد على أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وأن مشكلة الأمة ليست في تراثها بل المشكلة الكبرى والمعضلة العظمى في عدم الأخذ بالعلوم الحديثة من ناحية، ومن ناحية أخرى ترك التراث وعدم الأخذ به أيضًا، وهذا ترتب عليه وجودُ شعوبٍ بلا هوية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

سعيد عبدالخالق طه

عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا ليسانس اللغة العربية جامعة الأزهر عضو المركز الإسلامي المصري بتزانيا أؤمن أن لشريعتنا الإسلامية فلسفة لا بد أن تدرك نقدم رؤية لا أكثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق