سياسة وتاريخ

النظام السياسي العربي.. نظام القبيلة وخطاب الطاعة

يتولى النظام السياسي باعتباره مجال الممارسة في الواقع مهمّة تدبير الشّأن العام، وإدارة حياة الأشخاص وفقًا لما تتطلبه القواعد والمبادئ العقلية لتنظيم الأشخاص والمجتمعات، وضبط العلاقات بين السّلطة وأجهزتها التي تعتبر قمّة الهرم المجتمعي والشّعب بصفته القاعدة التي تستقبل مقرّراتها، الأوامر والنواهي، الشّرعي واللاشّرعي، طواعية لأنّها تعتقد أنّها (القاعدة الشعبية) في الأخير لا تطبّق سوى إرادتها مصطبغة بلون السلطة التي اختارتها.

يتحرّك المجتمع العربي سياسيًا وفق رؤية تتكرّس انطلاقًا من ثلاث رؤى: الأولى تحرّرية تقدّمية، وتلك التي تتبناها معظم الدول التي خضعت للاستعمار كالجزائر وسوريا والعراق وتونس، والثانية رؤية ليبرالية تتبنّاها معظم الدّول التي تنتهج النظام الملكي أو الأميري، والثالثة رؤية انفتاحية جاءت بعد تغيير نظام كما حدث في مصر بعد عبد الناصر أو بعد انتفاضة كما حدث في الجزائر بعد أكتوبر 88، ويعتبر الشّعب في كل الأنظمة أسير الرّؤية التي تنتجها السلطة وتتحكّم في سيرورتها، لأنّ النّظام السّياسي العربي يمارس الأبوية باعتبار أنّ أحد أهمّ ركائزه هي الرّؤية في إطار ما تعتقده السلطة حقا لها من حيث كونها، حقّقت الاستقلالات الوطنية وتعمل على توفير المستلزمات الحيوية الضّرورية للعيش، العمل والسكن والقوت، وكمقابل يتنازل المواطن عن حقّه في صنع القرار والمشاركة في تداوله على مستوى المؤسّسات.

لكن كيف ظهر هذا النّمط من النظام السياسي في الجغرافيا العربية؟

يبدو أنّ الوضع العربي فريدا في نظامه المشكّل أساسًا انطلاقًا من القبيلة والبداوة، تلك المنظومة الاجتماعية التي تفرض نوعا من الانضباط في هرمية تسيير الأشخاص باعتبار أنّ شيخ القبيلة يعتبر رمز “التجربة” و”الحكمة” و”الوجاهة”، وبالتّالي لا يجوز للفرد داخل المجموعة البشرية التي تشكل قوّة القبيلة ووحدتها أن يفسد أحد أهم أعمدة النّظام القبلي المتمثلة في الخروج عن الطاعة، والطاعة مفهوم مكرّس في الوعي العربي باعتباره عقديا يتعلق بالخضوع للإرادة الإلهية، ومن هذا الجانب تظهر طاعة الوالدين، ثم طاعة ولي الأمر، ومن المفاهيم الثلاثة للطاعة انبثقت نظرية “الحق الإلهي” للحاكم في إدارة شؤون الدّولة وأمور الحكم وقضايا الأمّة، وتكرّست أبويته، مما أنتج استبدادا وغصبا لحقّ الأمّة في إدارة الشّأن العام عن طريق التمثيل. لقد وُظِّفت النصوص الشرعية توظيفا منحرفا فقط لكي يلبّي الحاكم بأمره شهوة التسلط والاستمرار في السّلطة عن طريق التوريث، ومن هنا انفصل مفهوم “الخلافة” عن مفهوم “الإمارة” حيث أصبح الحكم ملكا عضوضا تتناوب عليه العائلة، وذلك منذ دولة بني أمية.

إنّ المعنى في الآية “يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم”، يحرّر الإنسان ابتداء من عبودية آخرية سواء للصّنم أو للشّهوة أو للإنسان، وتحريره من عوائق الحرّية يجعله باحثا عن النّموذج، ولهذا كانت الرّسالات، وكان الأمر الثاني بطاعة الرّسول (ص)، وبعد ذلك تأتي طاعة “أولي الامر”، أي بعد أن يكون الإنسان قد شكّل الوعي بهويّته المتحرّرة، فتتشكل طاعته لولي الأمر ضمن فهمه لإنسانيته المستقرّة بين الحرّية والبحث عن النّموذج، أي الطاعة السياسية تتحقّق في ظلّ الشّراكة بين القائم بأمر السلطة (ولي الأمر) والشخص الذي يراهن على نظام تتحقق فيه “الحرّية” باعتباره ليس عبدا سوى لله، و”الكرامة” باعتبار إنسانيته المتعالية عن عناصر العبودية لغير الله، و”العدالة” باعتبار أنّ ولي الأمر معني بخطاب الطاعة لله، أي تشاركهما في العبودية لله يحقّق عنصري الحرية والبحث عن النموذج المتمثل في عنصر “طاعة الرّسول”، ولهذا فالنّظرية السياسية في الإسلام تنبني أساسا على فكرة التحرير، ولعل تحطيم الأصنام كان يهدف إلى حرية الأشخاص باعتبارها ثورة على السّائد وتحرير للعقل والإرادة.

إنّ فكرة تحرير الإنسان من “الصّنم” و”الشّهوة” و”الإنسان” هي فكرة الثورة على الظلم، القائمة أساسًا على ظلم الإنسان لنفسه ثم لغيره، أي أخيه الإنسان، فالإنسان ذئب لأخيه الإنسان كما يرى توماس هوبز، والطبيعة باعتبارها ندّا وليست رفيقا، ولهذا تشكل الوعي الغربي للطبيعة في إطار الصّراع معها كونها مرجعية بعد أن تمركز الإنسان بدل الله وأصبح عنصر سلطته هو العقل، والسّردية السياسية العربية باعتبارها رواية بشرية عن قصّة تطلع الإنسان إلى الهيمنة والسلطة، ترتسم في إطار هذه الرّؤية التي تضع الإنسان في مواجهة الطبيعة لتسخيرها لصالح الشأن العام أو الجماعية التي تعكس الوعي بالسلطة باعتباره غنيمة، وعند هذا المفصل يمكن فهم رؤية عباس فرحات الكامنة في “الاستقلال المصادر”، المصادرة ناتجة عن “الجماعية” التي يجب أن يخضع لها الفرد باعتباره عنصرا من عناصر الطاعة للسّلطة الشّمولية التي تمتلك التجربة والحكمة والوجاهة.

يتشكل الفراغ المعرفي والإجرائي بكمونات السياسة العربية من خلال عدم الوعي بها قرائيا، أي الابتعاد عن الجانب النّظري الذي يمكن أن يقدّم تفسيرا ولو بسيطا لإشكاليات العلاقة بين القائم بأمر السّلطة ومختلف تمظهرات قيّوميته على الإرادة الشّعبية، أي تهميش أي دور للفعالية الشّعبية في تحريك دواليب الرّكود السياسي والقائمة (الفعالية الشعبية) على محك التجربة الإنسانية وتراث فهمها للمبادئ النّاظمة لعلاقات تلك الجماعة الاجتماعية على مستويات متعدّدة منها الدّيني والاجتماعي والسّياسي والثقافي، وتفكيك هذه المعطيات قد يضع المتلقي على تماس مباشر مع الوضع النّفسي والوجداني لحقيقة الشّعور بالمسؤولية، ومن ثمة ترجمتها على مستوى تحمّلها أو الاندراج في هرميتها، فلم تكن مثلا القبيلة شرّا مطلقا ونقيصة في وعي العربي بذاته، ولكن الفهم للقبيلة من خلال ممارسات معيّنة باسمها هي التي أنتجت مفهوم “القبلية” السّلبي، فانعكس تجلّيها المحبِط على الجانب الاجتماعي والسّياسي، وأصبحت “القبيلة” من محدّدات العقل السياسي العربي بتعبير الجابري، تماما كما “الغنيمة” و”العقيدة”، وهي عناصر دفع قوية لو تمثل الوعي والعقل العربيّين المعنى في العبودية لله باعتباره تحرّرا من أية عبودية آخرية، أي الجوهر الكامن في الخطاب الطّاعوي القائم على الحرية.

إنّ تمظهرات الحركة الاجتماعية العربية سياسيا كما تتمثل في الأحزاب، إنّما تعكس عميقا سلوك الطاعة العمياء للهرم البنائي في بنية الحزب، فلا نجد أحزابا في الوطن العربي تعبّر عن التوجه الحقيقي للحرّية التي على عاتق الوعي الفردي والجمعي أن ينتهجها ويحقّق نموذجها في الواقع، العكس هو الحاصل إذ التّابعية هي التي تحكم سلوك الفرد داخل الحزب، تماما كما البنية الزّاوَوِية المعبّرعنها بالشيخ والمريد، ولهذا تجد أنظمة جمهورية توريثية كما الحال في سوريا وأخرى تحكمها العائلة السياسية طائفيا كما في لبنان وثالثة تحكم بنيتها القبلية كما في ليبيا واليمن، ويستوي في ذلك حزب ديموقراطي أو علماني أو إسلامي، لأنّه تمّ تدجين مفهوم الطاعة، إذ انتقل من بنيته التحرّرية في الرؤية العقدية إلى بنيته المكبّلة في الرّؤية السياسية.

اقرأ أيضًا :

مأساة العقل العربي والانتقائية في إدانة الغدر بالفكر!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق