سياسة وتاريخ

النظام الدولي الجديد

بدأت الخطوات الجدية من العام 1951 في صوغ مبادئ الوحدة الأوروبية التي اتضح أنها خطوات ثابتة لا رجعة فيها، وأنهت تاريخا مريرا من الصراعات تجلى في حربين عالميتين دمرتا الأخضر واليابس، واستطاعت من خلال الدول القوية اقتصاديا أن تذلل التحديات التي عصفت بالدول الضعيفة، وأنتجت نظاما لاريب أنه من أنجح وأشمل أنظمة الاتحاد عبر التاريخ.

لكن في الآونة الأخيرة بدأ يتلقى هذا الاتحاد بعض الصعاب التي توجها البريكست البريطاني، ولو أنه كان متنبأ به لأن ديغول كان من المعارضين للانضمام البريطاني من الأساس، حتى أنها لم تنظم إلا بعد خروجه من الحكم 1969 والذي كان يرى أن انضمامها للسوق المشتركة سيحطمه. واليوم بعد نكسة البريكت ها هي أحلام الأوربيين بدأت تتفتت وذلك يبدو جليا من خلال تحليل بسيط للخطاب السياسي الأوربي، بدا من الرئيس الفرنسي الذي يريد النهوض بالبلاد لعودة الشعور بالاستقلال وصولا لرئيس وزراء إسبانيا الذي يشعر بتفكك الاتحاد.

طبعا لا يخفى على أحد حجم الخطر الذي سينتج عن التفكك وخاصة على الأمن والسلم العالميين، لكن ليس الموضوع هو الاتحاد وبقائه لكن القضية هو البديل الذي تنتجه الجائحة العالمية في صيرورتها، فمع انشغال كل دولة داخل حدودها الإقليمية تظهر لدينا الصين وروسيا وتنشر المساعدات والفرق الطبية، لا بل وصلت الأمور لأن ترى المدرعات الروسية بأعلامها الوطنية ترفرف في شوارع إيطاليا وكأنه احتلال ولكن دون جيوش.

وإذا كنا موضوعيين في تحليلنا للجائحة وأسبابها وابتعدنا عن العقلية المؤامراتية وخاصة بعد أن بدأ بعض الأطباء المرموقين بربط كورونا بالإيدز ولكن بتعديله مختبريا ليتحول لكورونا، أي أن الموضوع مدبر برمته، لكن ما يهمنا نحن هو أن هناك مسلمات بدأت تتكون لعالم ما بعد كورونا. فالتاريخ يكتبه المنتصرون ولو أن هذه الجائحة صعب أن يكون فيها منتصرين، أوروبا مفككة أو في طريقها إلى ذلك وهذا يصب في مصلحة القطب الصاعد على اعتبار أن يشكل كتلة قطبية واحدة في مواجهة الشرق.

إن الصين ما بعد كورونا اجتازت مراحل في السباق الاقتصادي، وضربت مثلا قويا في السيطرة عليه ولو أن إشارات الاستفهام تحوم حول هذه السيطرة. لكن المهم هو أنها بدأت تظهر كقطب موازي وخاصة مع مساندة روسية (فعدو عدوي صديق). إذا أهملنا كونهما أعضاء في مجموعة البركس وهذا عزيزي القارئ يضعنا في بداية حرب نرجو أن تكون باردة فأصعب لحظة في العلاقات الدولية هي لحظة إعادة تشكيل القوى العالمية أو إعادة صياغة منظومة القوى، فإما أن تكون تصادمية وهنا على الدنيا السلام أو تدريجية سلمية مع بروز حروب وكالة على أماكن نفوذ، لكن نحن بما أننا من البلدان المتأثرة لا المؤثرة يهمنا من الموضوع أننا سنبدأ بتلقي ثقافة عولمة مختلفة، فالعولمة حقيقة قائمة ومستمرة، ولكن وسائل هذه العولمة سيستثمرها المنتصرون لتدويل ثقافتهم، وهذا يحمل سلبيات وإيجابيات بالنسبة لنا كمتلقين، فمن إيجابياتها أن خياراتنا كدول عالم ثالث ستتوسع من ناحية الخيارات على كل الصعد، لكن ما يهمنا هنا عسكريا وسياسيا ومن الإيجابيات الأخرى أننا سنشهد تصاعدا للفكر الشرقي وسوف نبدأ بتعلم الكونفوشسية. ووضعتها مع الإيجابيات لأن المقابل الغربي هي ثقافة الفرد والقوة والعنف، فلا ضير من تلقي بعض التعاليم التي تدعو إلى التصالح والسلم وتقبل الآخر.

لكن السلبيات اننا قد نكون من المناطق التي ستخاض عليها الحروب في الوكالة، لأننا منينا بمنطقة من أغنى المناطق بمصادر الطاقة وأفقرها بالعقول السياسية التي تستغل هذه الموارد، ومن سلبياتها الأخرى صعوبة تحدث الصينية لكنا نعول على التقنية الصينيةأن تعرب لنا استعمارنا الفكري الجديد، وكذلك هناك سلبيات ثقافية فعلينا أن نبدأ بتقبل أن تكون الكلاب والهررة على الموائد بعد أن كان العم سام قد روجها صديق في زمن الإنسان الحر الغير ملتزم الذي يعيش لوحده منشغلا بكسب المال، طبعا قد يكون الموضوع يحوي مبالغة كبيرة ونحن كمتلقين لدينا آلاف الدراسات عن آثار العولمة وكيفية التعامل معها، لكننا في نفس الوقت شعوب نحب التقليد ونحب كل ما هو جديد وكما يقولون من لا يحسب لا يسلم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Bahaa Hariri

اجازة في العلوم السياسية دبلوم في تخطيط الدولة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية دبلوم في الادارة المحلية ماجستير في العلاقات الاقتصادية والدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق