علوم وصحة

النسيان.. بوابة تخطي اللحظات الحالكة ومانح الفرص الثانية

تكمن أهمية النسيان في كونه ضروريًا لصحة نفسية جيدة، ذلك أن الدّماغ البشري يتميز بقدرته على تخزين المعلومات المهمة فقط، بينما يتلاشى ما تبقى من المعلومات مع الوقت إلى حد الاندثار. وهذا ما يساعد الجهاز العصبي على الاحتفاظ بمرونته.

وبحسب مقال حول الذاكرة والإدراك، تم نشره مؤخرًا في “جورنال أوف أبلايد ساينسز”، فإن أهمية النسيان يرتبط دائمًا في نظرتنا للأشياء بالسلبية. حيث يتم ربطه بعيب أو قصور في الذهن أو خلل في الدماغ، وذلك على الرغم من تطوير البشر مجموعة من الاستراتيجيات، التي تتمثل في تمارين تقوية الذاكرة والرفع من الكفاءات الذهنية، فضلًا عن تناول المكملات الغذائية والأدوية التي تتباين فعاليتها وتختلف، بهدف تخزين المعلومات كيلا ننسى.

يجب التمييز بين النسيان وفوائده الجوهرية والضرورية للحياة البشرية التي يتحدث عنها الباحثون، وبين النسيان المرضّي الذي يتمثل في مرضي الزهايمر وخرف الشيخوخة.

آليات النسيان

يحدث النسيان عمومًا حينما يركز الدماغ اهتمامه على بعض التفاصيل والعناصر أكثر من أخرى بحيث يعطيها أولوية أكبر من خلال عملية تشفير وتحليل المعلومات الجديدة التي يتلقاها. بيد أنه خلال هذه العملية يمكن للدماغ أن يغفل عن بعض المعلومات.

وفي هذا السياق، تتضارب العديد من الفرضيات لتفسير ظاهرة النسيان؛ من زاوية البيولوجيا العصبية فإن الأمر يتعلق بتلاشي الذكريات الذي يعود ربما لموت بعض الخلايا العصبية أو بعض الروابط على مستوى الجهاز العصبي.

وتوجد نظرية حاسمة في علم النفس الإدراكي، وهي “نظرية التفاعلات”، حيث تقول هذه النظرية أن التجارب التي يمر بها الإنسان تتنافس على مستوى عقله وذاكرته مما يؤدي إلى التشويش على ما تعلمه سابقًا، فتفرض المعلومات الجديدة والحديثة نفسها معرضةً كل ما هو قديم للنسيان، وربما يحدث العكس فيضيع الجديد ويبقى القديم راسخًا.

«حارس» الاستقرار النفسي.. أهمية النسيان في حياتنا

يحظى النسيان بأهميةٍ بالغه كونه “الحارس” الذي يكفل الحفاظ على الهدوء والاستقرار النفسي، فبفضل النسيان نستطيع تجاهل الآثار السلبية لأحداث وأمور سيئة شاهدناه عنوةً أثناء المرور في الشارع مثلاً أو أثناء مشاهدة التلفاز أو التطلع إلى الهاتف أو حتى النظر من نافذة البيت.

ونستطيع بفضل النسيان أن نتخلص من مخلفات الماضي وذكرياته التي قد تكون أليمة في العديد من الأحيان. حيث يقول العلماء في هذا الصدد، أن الدماغ يقوم بتعطيل هذه المعلومات عبر صد إمكانية الولوج إليها أو تضعيف خصائصها العاطفية فتصبح عديمة التأثير. وهذا ما يسهل عملية مسامحة الآخرين ويساعدنا على التغلب على الصدمات والسلوكيات السلبية وتجاوز آثارها المدمرة أحيانًا، وتحفيز أنفسنا على مواجهة الشدائد والمضي قدمًا رغم كل شيء.

إذًا، أهمية النسيان تأتي من كونها عملية إيجابية قد يؤدي غيابها إلى أمراض واضطرابات نفسية. حيث يحجب النسيان عن الفرد الشعور السلبي ويجنبه التفكير في وقائع مؤلمة، حيث اكتشف باحثون وجود رابط قوي بين القدرة على نسيان المواقف غير السارة، مثل الإصابة بمرض مزمن أو وفاة أحد الأحباء، وتمتع الأشخاص بالقدرات اللازمة من أجل أداء تنفيذي أفضل، مثل القدرة على التخطيط والتنظيم وإكمال المهام. وهنا تتجلى نعمة النسيان والغفلة، التي تكون تغافلًا في أحيانٍ عدة لتجاوز محن ومصاعب الحياة.

النسيان والألم الاجتماعي

توصلت دراسة علمية، إلى أن أهمية النسيان تتلخص في أن تلك العملية تساعد في الحد من حالة الشعور بـ”الألم الاجتماعي”، ومن الإصابة بالاكتئاب بسبب التركيز على الأحداث المؤلمة وكثرة التفكير فيها، فيكون النسيان الحل الأفضل والأمثل بدل الأدوية والعقاقير التي تدخل الفرد في دوامة يصعب الخروج منها.

وفي نفس السياق، يسعى الدماغ جاهداً إلى الحفاظ على “الوضوح” و”قدرات التحرير والتجريد” عبر التخلص من التفاصيل التي ربما لا تشكل أهميةً كبرى فيجعلها في طي النسيان. وفضلًا عن ذلك، يسمح لنا هذا النظام بتحديث التجارب والذكريات بمعلومات جديدة لزيادة أهميتها وتقليل المنافسة بينها إلى أدنى حد. ثم تأتي عملية “الهضم العقلي” الذي يتم من خلاله فقدان تفاصيل محددة، مما يسمح ببروز أوجه مشتركة وتشكيل قاعدة معارف أكثر عمومية.

ويهدف النسيان الحفاظ على “الإلهام” وقدرتنا على إعادة اكتشاف الأمور. فعبره يمكن رفض أفكار وتصورات الماضي، ويسمح لنا بتحديد حلول إبداعية للمشاكل الجديدة. كما أنه يتيح لنا إعادة الاتصال بالأنشطة أو الأشخاص الذين ينتمون إلى ماضينا، وبالتالي إعطاء فرصة ثانية في كل الأمور.

وعلى ضوء ما جاءت به الدراسات العلمية وما أثبته الخبراء، أنه إذا كان النسيان ضرورياً لصحة أذهاننا، فإنه يذكرنا باستمرار طاقتنا على تحمل مصاعب الحياة ولحظاتها الحالكة.

أهمية النسيان للصحة النفسية والعقلية

يمنح النسيان إيجابيات من بينها السكينة والاستقرار وصفاء الذهن، ولكنه قادر أيضاً على تحديث المعلومات والحد من محتواها بقدر أعظم من الأهمية. فهو يشكل عنصراً أساسياً في الذكاء البشري لأنه يسمح لنا بالتركيز على ما هو مهم. ذلك أن فعالية الذاكرة لا تقاس بتكديس البيانات وحفظ المعلومات الدقيقة للغاية الذي من شأنه أن يكون هدّاماً في الواقع.

وتتيح الذاكرة الجيدة الاحتفاظ بالكثير من المعلومات على مدى فترة طويلة من الزمن. ولكن النسيان يظل ضرورة لا غنى عنها لضمان الأداء اللائق للدماغ. فمن الأهمية بمكان أن ينسى الدماغ التفاصيل غير ذات الصلة وأن يركز بدلاً من ذلك على أمور من شأنها أن تساعد في اتخاذ القرارات الفاعلة. إن الغرض من الذاكرة ليس نقل المعلومات الأكثر دقة، بل تحسين عملية اتخاذ القرار من خلال الاحتفاظ بالمعلومات القيمة فقط.

وبذلك يتيح لنا النسيان التكيف مع المواقف الجديدة من خلال التخلي عن معلومات قديمة ومضللة غير ذات جدوى في بيئة متغيرة وفي عالم يسير بوتيرة مُتسارعة، وهذا ما يُولد الكثير من المعلومات التي نُصادفها بشكل يومي، فتُصبح المعلومات التي في دماغنا قديمة “عفا عليها الزمن” وتجردت من الأهمية، لتحل محلها معلومات مستجدة تساعد المرء على اتخاذ قرار مستنير يُناسب وقته الراهن.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق