مال وأعمال

النساء العاملات واللامساواة في الأجور بين الجنسين

تعاني النساء العاملات من نسبة قلق و معدلات اكتئاب أعلى بكثير من زملائهن الرجال وتُعزي هذه المشاكل النفسية إلى حالة اللامساواة التي تعيشها النساء في بيئة العمل. وأبرز مظاهرها الحصول على أجر أقل من زملائهن الرجال عن تأديتهن لنفس المهام.

الفارق في الأجور بين الجنسين ليس طفيفًا كما يخيل بل يصل إلى أكثر من 20% في المتوسط على الصعيد العالمي حسب تقرير لـ منظمة العمل الدولية كما أنه لا يرتبط بمستوى وظيفي معين فحتى النساء العاملات في أعلى السلم الوظيفي يعانين من نفس التمييز و هذا ما يؤكده ما ورد في تقرير  Weels Fargo حيث ذكر التقرير أنّ فجوة الأجور بين الجنسين هي لصالح الرجل في كل مرحلة من المراحل، حتى أنّ فجوة الأجور تتسع كلما تسلق الموظفون السلم داخل الشركة.

مشكلة الفجوة في الأجور غير محدودة بثقافة معينة أو محصورة في بلد واحد أو مرتبطة بعرق دون غيره بل هي مشكلة عالمية لا تُستثنى منها حتى أكثر الدول ديمقراطية،ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلا تحصل المرأة كأجر للساعة على 82 سنتا فيما يحصل الرجل على دولار واحد و يزداد الثمن انخفاضا إذا كانت المرأة من غير الجنس الأبيض حيث تحصل الأمريكيات من  أصول افريقية على 62 سنتا،فيما تأخذ الأمريكيات الأصليات 57 سنتا،في حين تحصل ذوات الأصول اللاتينية على 54 سنتا فقط مقابل دولار واحد للرجال دائما. وحتى مع محاولة البعض التبرير لهذا التمييز و ربطه بمستوى الأداء و الضغوط الاجتماعية التي تتعرض لها النساء العاملات إلاّ أنَ تلقي الرجال لأجور أكبر من المرأة حتى في مجالات العمل النسائية التقليدية كالصحة و التعليم ينفي هذا ويكشف بدون شك أنّ فجوة الأجور هذه أساسها التمييز بين النوع الاجتماعي و اعتباره مؤشرا للموهبة والأحقية.

النساء العاملات واللامساواة في الأجور

الأثر الاقتصادي والنفسي للامساواة في الأجور بين الجنسين

حُصول  النساء العاملات على أجر ومكافئات أقل من زملائهن الرجال لا يؤثر على حياة النساء الاقتصادية فقط بل ينعكس حتى على سلامتهن النفسية وفقا لما أشار إليه تقرير الفجوة بين الجنسين العالمي لعام 2020 و الذي ربط زيادة معدلات القلق و الاكتئاب لدى النساء بحصولهن على أجر أقل من نظرائهن الذكور و هو ما تؤكده نتائج دراسة نشرها مجموعة من الباحثين في جامعة كولومبيا الأمريكية سنة 2016 و ذلك بعد معالجة بيانات 22000 عامل في الولايات المتحدة الأمريكية ،فبحسب بلات برينس و زملاؤه ممن أجروا الدراسة فإنَ النساء العاملات ممن يتلقين أجرا أقل من زملائهن الرجال فرصة إصابتهن بالاكتئاب أكثر من ضعف (2.65)  فرصة اصابة الرجال الذين يعملون معهن في نفس الظروف،كما أنهن يعشن  أربعة أضعاف حالة القلق التي يعيشها الرجال،و تبدي حتى النساء ذوات الدخل المرتفع  نفس النتائج  ما يعني أنّ الاضطرابات النفسية غير مرتبطة بانخفاض الدخل،و في المقابل تُظهِر النساء ممن تحصلن على أجور مساوية لأقرانهن من الرجال أعراض أقل.

وجود علاقة بين زيادة معدلات الاكتئاب وارتفاع مستويات القلق لدى النساء العاملات وتلقيهن لأجور منخفضة مقارنة بزملائهن الرجال تفسره الطبيبة النفسية و رئيسة الجمعية النسائية الأمريكية للطب النفسي فان نيل بكون أنَ تجربة شعور الفجوة بين الرجال والنساء يوميا هو أمر مرهق يُشعر النساء بالضغط و يقودهن غالبا للشعور بالمزيد من القلق و الاكتئاب،تقول كيم شورشس رئيسة الرابطة الأمريكية للنساء الجامعيات : ” تقديرنا و ثقتنا بأنفسنا نستمدها من عملنا،بعد كل شيء نحن نقضي الكثير من الوقت و نضع الكثير من الجهد في أماكن العمل و من المزعج جدا التفكير بأننا أقل قيمة و تقديرا من الرجال،وهل يوجد مؤشر أفضل من رواتبنا على هذا ؟”،و هي في هذا تشير إلى نقطة مهمة و هي أنّ النساء تستمددن تقديرهن لأنفسهن من التقدير الممنوح لهن في بيئة عملهن وهو أمر طبيعي كون معظم الأشخاص يكتسبون تقديرهم الذاتي من نجاحاتهم المهنية و بقدر ما يتم تقديرهم في بيئة عملهم يرتفع مستوى ثقتهم بأنفسهم و يشعرون براحة أكبر .

الضغوطات النفسية التي تعيشها النساء العاملات ممن يعانين بسبب التمييز بين الجنسين  تؤدي غالبا إلى ظهور سلوكيات غير صحية كإدمان الكحول وتعاطي المخدرات والمواد المهدئة ما يخفض لديهن  المستويات الصحية فيخترب نظام نومهِن و يحَدُث اختلال في نظامهن الغدائي ما يضعف البنية البدنية للشخص و يقوده للإصابة بأمراض خطيرة كإرتفاع ضغط الدم و مشاكل القلب وقد تؤدي حتى إلى الوفاة في بعض الحالات التي لا تتلقى المساعدة النفسية و الطبية اللازمة.

الجهود المبذولة للقضاء على الفجوة في الأجور بين النساء العاملات والرجال 

على الرغم من الجهود المبذولة من قبل الهيئات المدنية المحلية والدولية للتحسيس بهذه المشكلة ومحاولة تقديم حلول لها وحتى مع قيام بعض الدول مثل بريطانيا بوضع قوانين وإجراءات من شأنها تحقيق المساواة في الأجور بين الجنسين إلا أنّ المعدل الذي تتقلص به الفجوة يكاد لا يذكر، وإذا لم يشهد هذا المعدل  تحسنًا ملحوظًا عما قريب فإننا قد نحتاج حسب تقرير منظمة العمل إلى أكثر من 256 سنة حتى نتخلص من هذه الفجوة ونحقق المساواة في الأجور. ومع هذا فإنّ مواصلة الجهود التحسيسية بمشكلة الفجوة في الأجور بين الجنسين  يجب أن تستمر حتى يعي بها أكبر عدد من الناس وخصوصًا النساء العاملات ممن يعتقدن بأنها مسألة شخصية و وفقا لما يعتقدنه يُحملن أنفسهن مسألة تلقي رواتب أقل من زملائهن الرجال ما يزيدهن ضغطًا ويعقد حالتهُن النفسية.

معرفة أنّ الفجوة في الأجور بين الجنسين هو مشكلة عالمية تعاني منها معظم النساء العاملات بغض النظر عن مناصبهن و مستوياتهن التعليمية و حجم المسؤوليات الموكلة لهن من شأنه اراحتهن و تقليل قلقهن،لكن هذا لن يُنهي المشاكل النفسية و ما يترتب عنها من أمراض عضوية قد تُشكل خطرًا على حياتهن،بالتالي يجب عمّن هم في مقاليد السلطة فرض القوانين و اتخاذ الإجراءات وتفعيل جميع الآليات التي من شأنها تحقيق المساواة في الأجور في أسرع وقت ممكن.

اقرأ أيضًا :

سوق السندات: طوق النجاة أم وسيلة للثراء!

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق