أسلوب حياة

الندم فرصة لتتعلم لا لتتألم

 

هل بيننا من لم يندم على قرار اتخذه أو طريق سلكه؟ أشك في ذلك. تتفاوت الكيفية التي يتعامل بموجبها الناس مع الشعور بالندم إلى حدٍ كبير، فثمة من لا يتعدى شعورهم بالندم مجرد قول “لا مشكلة”، وثمة من يراجعون أنفسهم ويحاولون التكفير عمّا اقترفوا ويعقدون العزم على عدم تكرار ذات الأخطاء في المستقبل، وثمة من لا تفارقهم مرارة الشعور بالندم فلا ينفكون يذكرون أنفسهم مرارًا وتكرارًا بما كان ينبغي عليهم القيام به.

إن خير سبيل للتعامل مع الشعور بالندم هو أن يواجه المرء نفسه بما فعله على نحو خاطئ أو ما كان ينبغي عليه فعله على نحو أصح، ومن ثم الاستفادة من تلك التجربة، الأمر الذي لا يأتي إلا عن طريق إيلاء المرء ذاته ما تستحق من احترام واهتمام. أما أن يكتفي بندب حظه العاثر وترديد (يا لي من أحمق! كم كنت جباناً! كيف سولت لي نفسي فعل ذلك)! فلن يتعلم من أخطائه إلا قليلاً؛ ذلك أنه سيكون مشغولاً بجلد الذات. فكلنا عرضة لارتكاب الأخطاء، وخيرنا من زادته أخطاؤه حكمة وقوة.

اقرأ أيضًا: للخطأ فلسفته: كيفية تصحيح الخطأ والتعامل مع المخطئين

إذا كنت مهتمًا بتحقيق أقصى استفادة من شعورك بالندم، فإليك الإرشادات أدناه:

  • فكر مليًا فيما حدث:

عند الشعور بالندم ضع في اعتبارك الظروف المحيطة بك لحظة الخطأ، هل فعلت ما فعلت تحت الضغط أو عن جهل أو توتر أو ضعف أو اندفاع عاطفي؟ عندما تأخذ الوقت الكافي للإجابة، ستدرك كم هي معقدة تلك القرارات التي تبدو بسيطة للوهلة الأولى.

كانت جولي فتاة تتوزع شخصيتها بين التمرد ومحاولة إرضاء الآخرين في ذات الوقت، ولقد حصل وانتصرت رغبتها في إرضاء الآخرين على نزعة التمرد، يوم تزوجت بأول شاب تقدم لخطبتها فصادف هوى في نفس والديها. لم تنقض 3 سنوات لتكتشف أن الزوج الكفء بنظر والديها، كان بنظرها غير ذلك.

  • فكر كيف تتجاوز خطأك:

ربما لا تكون قادرًا على التراجع عما ارتكبت، لكنك ما تزال قادرًا على اتخاذ ما يلزم لوضع الأمور في نصابها. إذا حصل وتأذى شخص ما بسبب قرار اتخذته، فيمكنك الاعتذار له وتعويضه، وإن تعذر عليك فعل ذلك ففي فعل الخير متسع للتكفير عن ذنبك. وأعلم أن لفعل الخير متوالية آثار طيبة لا تنقطع.

أفرط “مايك” بالشراب في تلك الليلة المشئومة، كان الحادث من المفاجأة بحيث عجز عن تذكره فيما بعد، كل ما تذكره هو استيقاظه في المستشفى والآلام المبرحة التي كانت تعصف بكل أنحاء جسده على شدتها، لم تكن تلك الآلام شيئًا مذكوراً إذا ما قورنت بشعوره حين علم أنه قتل أعز أصدقائه، وكيف سيتسنى له أن يقضي بقية حياته تحت وطأة الشعور بالندم وعقدة الذنب، بأي حال من الأحوال لا يمكن التراجع عما جرى تلك الليلة، فلقد حصل ما حصل وقضي الأمر.

بعد خروجه من المستشفى، كان على “مايك” أن يعرف أولاً كيف يعيش، توسّل أسرة صديقه أن يصفحوا عنه. ثم كان عليه أن يسامح نفسه، فقرر أن أفضل طريقة لفعل ذلك هي أن يكرس حياته لمساعدة الآخرين تكفيراً عن خطئه الفادح بمرور الأيام، كرس نفسه لفعل الخير ليس على سبيل التكفير عن ذنبه فحسب، وإنما لأن فعل الخير صار بالنسبة له أسلوب حياة.

  • اجعل شعورك بالندم حافزك لتغيير المسار:

إذا انتابك الشعور بالندم أو شعرت بالضيق، معتقدًا أنه لا يوجد ما يمكنك فعله لتغيير الوضع الراهن، فدع الأمور تأخذ مجراها. وهذا لا يعني أنك غير قادر على اتخاذ خطوة بالاتجاه الآخر. أياً كان حجم هذه الخطوة، المهم أن تتخذها.

منذ كان طفلًا صغيرًا، توقعت عائلة “ريك” أن يحذو حذو والده فيتفرغ للتجارة بعد اجتياز المرحلة الثانوية. وهو ما حدث بالفعل الآن، وبعد مرور 15 عامًا من الكسب الذي لا بأس به، لا يعتقد “ريك” أن الأمر يستحق كل ذلك فيقول: “في أحيان كثيرة كنت أتساءل ماذا سأكون لو لم أسلك الطريق السهلة”.

لأنه كان “ريك” يريد أن يستكشف ماذا سيكون لو لم يتبع خطى والده، فلن يضطر إلى ترك عمله، وحسبه أن يستغل مواهبه لينحو بعمله منحًا آخر، أو أن يختط لنفسه طريقًا جديدًا في أي من مجالات الحياة، أو أن يستغل وقت فراغه للقيام بأعمال إبداعية كالكتابة أو الرسم.

إن كان الشعور بالندم قد استحوذ على تفكيرك، فاعلم أنه حان الوقت لتلقيه وراء ظهرك وتمضي قدمًا. فمثلما أن هناك وقتًا للندم ووقتًا للتعلم من الندم، فإن هناك وقتاً للتخلي عن الندم، ومثلما أن هناك وقتًا للتفكير في الماضي، فإن هناك وقتاً للمضي قدماً واتخاذ قرارات أفضل وإيجاد معنًا لحياة المرء أعمق.

ختامًا، ماذا عنك عزيزي القارئ؟ ما الذي تفعله حين تندم؟

المصدر: مقال “التعلم من الندم” “Learning from Your Regrets”، لأخصائية علم النفس والمدربة الدولية المرموقة، الدكتورة ليندا سابادين.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمار الحامد

مترجم حر وأستاذ لغة إنجليزية من العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق