سياسة وتاريخ

حلف الشمال الأطلسي “الناتو”.. حليف بالقول عدو بالفعل

توترت الأوضاع في إدلب شمال سوريا المستباحة في الحادية عشرة من صباح الثامن والعشرين من فبراير 2019، بعدما استهدفت غارات جوية روسية جنوداً أتراكًا موقعة ثلاثة وثلاثين قتيلاً، وجاء الرد التركي بقصف مدفعي على خمسة مواقع لنظام الأسد في إدلب وحلب موقعة 300 قتيل.

بررت الخارجية الروسية جريمة قواتها بشكل متضارب، فتارة تؤكد تواجد الجنود الأتراك القتلى إلى جانب عناصر مسلحة إرهابية، كما دأبت روسيا على وصف فصائل الثوار المقاتلة ضد دميتها السوري، وتارة أخرى تدعي عدم إبلاغ تركيا لها بوجود جنود لها في إدلب لتتنصل موسكو من جريمتها.

ووسط هذا القيل والقال، طلبت تركيا من حلف الناتو عقد اجتماع له على خلفية التوترات الأخيرة، وهو ما وافق عليه الحلف، كما طالبت وزارة الدفاع التركية مساعدة الحلف الأطلسي لأنقرة في إقامة منطقة حظر جوي في إدلب، وهو الطلب الذي رد عليه الناتو مرتين تلميحاً وتصريحاً.

جاء الرد الأول من المسئول الدبلوماسي الأرفع في الناتو وهو “يانز ستولتنبرج” الأمين العام للحلف، والذي طالب تركيا وروسيا بخفض التصعيد في إدلب، وعدم إشعال حرب دولية في سوريا، أما الرد الثاني الأكثر صراحة وخذلاناً لتركيا فقد جاء على لسان وزير خارجية لوكسمبورج الذي يزور موسكو.

أعلن رئيس الدبلوماسية اللوكسمبورجية فيه أن الحلف لن يدعم تركيا عسكرياً في سوريا؛ كون أنقرة تدخلت في سوريا بالرغم من رفض الحلف، وأن اجتماع الحلف في بروكسل لن يكون بموجب المادة الخامسة للحلف، بالرغم من تعرض تركيا وهي عضو في الناتو للاعتداء، لكن بموجب المادة الرابعة من الحلف التي تسمح بعقد اجتماع للأعضاء حال شعر أحدهم بتهديد محدق به.

أكد هذا التصرف المخيب للآمال من الناتو آراء تركيا في دول الحلف؛ بأنها لا تقدم سوى الدعم الكلامي الأجوف، وحتى إن قدمت دعماً عسكرياً، فإنها تترك أنقرة في منتصف الطريق، وهذا الموقف يطل برأسه بين حين وآخر منذ 2011، بعدما تباين موقف الجانبين من ثورات الكرامة العربية.

فعندما تدخل الناتو في ليبيا تدخل لوجود النفط، وخشية أعضائه من المحتلين الجدد والقدامى من انقطاع النفط الليبي عن أراضيهم، وبالتالي تعرض مصالحهم للخطر، بالرغم من ترويج القيادتين العسكرية والسياسية للحلف أن الناتو هب للدفاع عن المدنيين الليبيين من إجرام القذافي.

لكن تكاسل الحلف، وتذرع بكل ذريعة منطقية أو واهية لعدم التدخل في سوريا، مفضلاً العبارة السخيفة بألا حسم عسكري في الشام، والحل سياسي فقط، وحتى عندما تعرضت الأراضي التركية للقصف من طيران النظام السوري، نصب الحلف منظومة باتريوت الاعتراضية ثم سحبها بعد فترة وجيزة.

أدار الحلف ظهره لتركيا مجدداً أواخر 2015، بعدما أسقطت الدفاعات الجوية التركية طائرة حربية روسية، زاعماً أن تلك الأزمة شأن داخلي لتركيا، ثم كانت قاصمة الظهر في تآمر الثلاثة الكبار في الحلف أمريكا وبريطانيا وفرنسا على الحكومة الشرعية في تركيا، وتدبير انقلاب عسكري أفشلته إرادة الله ثم الأتراك منتصف يوليو 2016.

سيزيد التصرف الأطلسي الغادر الأخير من اتساع هوة الشك المتسعة أصلاً بين بروكسل وأنقرة، إلى الحد الذي سيدفع الأتراك للخروج من هذع الحلف المتخاذل، الذي لم يجنوا من ورائه سوى الخذلان والتآمر.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى