مدونات

الموت: عازف لحن الرحيل على أوتار الزمن

الحياة هديةٌ كبرى من الله، فيها نحيا ونستمتع بما خُلقَ لنا من نِعَمٍ تعودنا عليها ويعز علينا أن نفارقها. ولذلك فنحن نرفض فكرة الموت إلا عندما نراه يخطف أنفسًا أخرى حولنا. والموت هو ذلك الجبل الهائل الذي يهوى بلا رحمة على أكباد البشر يقطع أوصال الرباط. هو ذلك الدرب الكبير الذي تهوي فيه النفوس على غفلة. المارد الجبار الذي يسلب من أجسادنا أرواحها فيتحلل الجسد بدود الدنيا ويعود ترابًا وتصعد الروح إلي السماوات العلا عند خالقها.

وبالرغم من أن ملايين الخلايا تموت فينا كل ساعة، ومع أننا نموت نصف موتة كل ليلة ننام فيها، إلا أننا دائماً ما نستبعد فكرة الموت على أرض الواقع. حتى إن العامة من الناس يسميه “شرًا”. فإذا ما ذكرت حتمية أو مجرد احتمالية موتك أمام أحدهم، فسرعان ما يرد عليك “بعيد الشر عنك، العمر الطويل لك”.

فلسفة الرحيل واللقاء

وفسرت الفلسفة فكرة الموت وما تحمله ضمنيًا من مفهوم اللقاء، رغم ما به من الوجع. فقد كُتب الموت على الإنسان منذ خَلقُه الأول، فقد خُلقنا لنموت ثم نُبعَث لنحيا أبدًا بلا موت. وإن كنا لم نر البعث فكلنا يرى الموت ويسمع عنه كل يوم وهو ما أسميه “الموت الأصغر “.

ويصعب على النفس تقبل فكرة الموت، إلا أننا نرى مظاهر الموت فينا وحولنا في كل مكان ونعترف بها ونتعامل معها بكل بساطة وسهولة. فالموت الأصغر يتمثل فينا كل لحظة. حيث إن خلايا الجلد تموت آلاف المرات ثم تتبدل بمثلها، وتموت خلايا الدم البيضاء والحمراء ثم تتجدد، وتشيخ الخلايا في كل الأعضاء بلا استثناء ثم تموت ثم تتبدل بغيرها. فجميع تلك العمليات الحيوية نتعلم منها كيف يكون البعث من بعد الموت.

وكذلك تولد الأشجار حولنا ثم تشيخ وتموت ثم تتبدل بمثلها أو خير منها، وهكذا كل النباتات والحيوانات حولنا تولد أمام أعيننا وتشيخ ثم تموت ونظل نرفض فكرة موت في حد ذاتها. وتولد الخلايا فينا وتشيخ فينا وتموت فينا ونظل نرفض الموت. وتولد الأنفس حولنا وتصبوا وتشب وتشيخ ثم تموت فجأة ودون سابق إنذار في صباها أو شبابها أو كهولتها ومازلنا نرفض تخيل أن يكون الموت مصيرنا.

رفض فكرة الموت.. تجاهل أم خوف؟

تؤكد العمليات البيولوجية داخل الكائنات من حولنا حقيقة الموت القادم لا محالة. فقد خلق الموت فينا وحولنا لعلنا نعمل للحظة الموت الكبري التي لا مفر منها. فهل هذا تجاهل أم خوف أم نفاق. هل نتجاهل الموت الأصغر داخلنا حتى لا نفكر في الموتة الكبري، أم نخاف على الموت الأصغر لعل وعسى خوفنا عليه يطيل أمد الحياة فنؤجل الموتة الكبرى، أم هو النفاق ومداهنة الموت الأصغر لكونه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالموتة الكبري فنجعله يحن علينا ولا ينقض في الوقت الذي حدد لنهاية العمر فينا. وسواء كان تجاهلًا أو خوفًا أو نفاقًا، فالموت الأكبر قادم لا محالة، في وقت معلوم ومكان محدد من قبل سواء كان الموت الأصغر يجري أم يحبوا.

وإذا كنا ولدنا لكي نموت فما بين الميلاد والموت حياة مليئة بأعمال الدين والدنيا قصرت الحياة أو طالت. والموت لابد منه سواء كان خيرًا لصاحبه أو شرًا. والموت عندما يأتي لا يأبه بعمر ولا جنس ولا مال أو جاه أو سلطان، والموت قد ينقل الإنسان إلى حياة مكتظة بكل المتع أو بكل العذاب.

وما بين الفوز بالمتع ونيل العذاب إلا نياتنا التي أحاطت بأعمالنا. والمؤمن الفطن هو من فاز براحة البال والسكينة في الدنيا والمتاع في الآخرة. فإذا كانت فلسفة الموت الصغرى هي رحيل النفس من الدنيا ففلسفة الموت الكبري هو الرجوع إلي الآخرة بيتنا وسكنها الأول. واذا كان في الرحيل ألم لأهل الراحل ففي رجوعه إلى الله المتعة الأبدية. وعلى هذا يجب ألا نخاف ونرتعد من فكرة الموت سواء كان موت أنفسنا نحن أو موت غيرنا. بل لابد من تدريب أنفسنا علي تقبل فلسفة الموت والهدف منه بصدرٍ رحب وبسعادة، فيكفي أنه قرار من الله، ويكفي أنه مخلصنا من الدنيا، ويكفي أنه سبب لقائنا مع الله.

عندما يكون القلب مضغة تحت أسنان الفراق

ورغم كل ماقيل، فإن الموت هو الفاجعة الكبرى التي تملأ القلب حزنًا وتصب فيه لوعة الفراق التي تلسع النفس لسعًا كلما تذكرنا من فقدناه. ومع أن الموت ليس برحيل نهائي، إلا أنه يجعل من القلب مضغة تحت أسنان الفراق الحامية فيظل الإنسان يتلوي من وقت لآخر كلما راودته الذكريات مع الراحلين.

ومع أن الموت هو الفاجعة الكبري في الحياة التي ترج النفس رجًا وتقلب ما فيها من خصال الحلو منها والمر، إلا أن رجته تلك تكشف للنفس كم أن الحياة قصيرة مهما طال مشوار العمر. وكم أن الحياة لا تساوي جناح بعوضة، أو حبة تراب، أو ذرة ماء، وكم أن النفس ضعيفة لا تقوى على درء قرار الرحيل الذي يأتي بغتة فيأخذ معه كل ما لديها من أعمال طيبة كانت أو مالحة. ويتكشف للنفس كم أن حلو الحياة لا يعني شيئًا عند الرحيل إلا ما طاب منه ونفع الناس. ويتكشف للنفس مدي احتياج الإنسان إلى تلال من الأعمال الطيبة الصالحة التي تنفع الناس في حياته ومن بعد رحيله لعلها تشفع له يوم الرحيل ويوم اللقاء.

الموت عظة عميقة لمن يعتبر، ومفترق طريق لمن رحل ولمن شاهدوا الرحيل. ويعلمنا الرحيل أن نكون أذكياء وذا فطنة وذا عقل راجح. أذكياء في توظيف الوقت للعمل النافع للناس وعدم الخوض في القيل والقال؛ فمن الذكاء الديني ألا نظلم أنفسنا أو نحملها ما لا تطيقه وأن نهرع للاستغفار من ذنب ارتكبناه قبل فوات الأوان، مصداقًا لقوله تعالي في سورة النساء آية 110: “وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا”.

ويعتبر من الفطنة أيضًا ألا نزج بأنفسنا في مهالك الغيبة والنميمة والبهتان حتى لا نورط النفس فيما لا تطيقه وتتحمله دون داعٍ، مصداقًا لقول الله في سورة النساء آية 112 -111: “وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا“. ومن رجاحة عقل المؤمن ألا نترك أنفسنا للأيام تفعل بنا ما تشاء، بل لنفعل نحن بأعمالنا ما يحفر لنا علامات طيبة نافعة نتركها على جدران وأسقف طريق الحياة بعد رحيلنا.

وكفى بالموت واعظًا

الموت ليس عدوًا بل هو صديقٌ حميمٌ يأتي ليذكرنا بأن الرحيل وجوبيًا على النفس، وأن الموت ما هي إلا محطة للحياة الأخرى. وليذكرنا بأن سنوات العمر ما هي إلا درجات نصعدها في سلم يأخذنا إلى العالم الآخر ليخلصنا من شوائب وصعوبات وتحديات الحياة. الموت صديق لأنه يعلمنا أن النعيم الحقيقي ليس هنا، بل هناك إذا صح العزم على تعمير الحياة عن عمد بالمعاملات الطيبة والأفعال النافعة.

يقربنا الموت من اللحظة التاريخية التي نتشوق فيها للقاء الله ولقاء الأحبة الذين رحلوا عنا واشتقنا إليهم أيما اشتياق. الموت صديقي لأنه رسولٌ من الله لمن طلب لقاءه بعد أن حدد هو موعد اللقاء. فلنعمل ما بوسعنا حتي يكون اللقاء لنا طيبًا نفرح فيه ونمرح بين يدي الله وإلى الأبد.

وتتحرر النفوس من قيود شهواتها الجامحة بالموت، فتسافر إلى روحانية هائمة في ملكوت ربها بعد أن انتهت دنياها الدنيئة، لتتهيأ لذلك العالم البرزخي وما فيه من تحقيق كل الأمنيات. فيا تري، هل فكرة الموت تعد فراقًا أم فيضان الرحيل له مذاقه رغم اللوعة والأنين، أم هو نهر متدفق يسقي أرواحنا لحن النعيم. هل هو قاطع الأوصال والأرحام ، أم يربط الروح بمليكها الجبار، وقاهر للذات ومانع للشهوات وسبيل إلى الجنان.

ويرحمنا الموت من ظلم أنفسنا لأنفسنا، و من ظلم الناس لنا، هو الذي يرحم الكبير والصغير ولا يفرق بين غني وفقير. هو الذي يرحمنا من عنفوان وجبروت أنفسنا. هو قارورة حب من الله بها رباط سرمدي عطر يشد الله به من يشاء. وما أحب إلى النفس من أن ترى الخالق الرحيم.

«يموتون ألف مرة قبل موتتهم الأخيرة».. دليلك لتقبل فكرة الموت

لماذا نخاف ونهاب بل ونستبعد فكرة الموت مع أننا أصبحنا نرى الموت الفُاجأة للشباب ليل نهار. لو تمكنت منا فكرة “الحياة من أجل موت بلا قلق” لتغيرت نظرتنا للموت. فيكفي أن الموت هو السبيل الوحيد للرحيل عن زيف الحياة وصخبها الفاسد، وأنه الطريق المعروف لمقابلة الله لعيش حياة أبدية بلا صخب ولا ضجيج ولا فساد، حياة فيها ما لا عبن رأت ولا خطر على قلب بشر.

لو طبقنا قاعدة الرسول الكريم: “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً” لارتاح البال وحلت السكينة الفؤاد والقلب والعقل والوجدان. إنها قاعدة التوازن في الاستمتاع بواقع الدنيا والاستعداد لحياة الآخرة الأبدية. والعاقل منا من يضع عينيه صوب الحياة الأبدية بالاستعانة بالأعمال الوقتية.

الموت هو الواقع الذي لابد منه وإن نَحيّناه جانبًا. ففي هذه اللحظة ينتظر الموت هناك نفسًا هائمةً في ملكوت الحياة ليدعوها لمقابلة الله أيًا كان مكانها فتصبح بيننا مجرد تاريخ قد نتذكره أو ننساه. والأعمال والنيات الطيبة هي التي تجعل من الرحيل عن الحياة مكافأة كبرى للنفس التي جاهدت متع الحياة.

فيا موت إنا لا نخافك ولا نهابك وإنا علي الدرب ننتظر. وإن كنا لا ندري طول وقت الانتظار، فلسوف نسير في الدرب نلحن بأعمال الخير وتغريد الوفاء نعمر في الأرض حتى يحين الأجل ويرحل الانتظار. ففي الموت حياة.

رحم الله الأنفس الطيبة التي رحلت عنا بأمر من الله، ورحم الله الأنفس التي مازالت على الدرب تعمل بجد وهي تنتظر اللقاء، واللهم اجعل في الموت راحةً لنا من الدنيا ومفازةً لنا في الآخرة.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

د. محمد لبيب سالم

نبذة عن الكاتب ولد د. محمد لبيب سالم في 28 ديسمبر 1962 في قرية دهتورة مركز زفتي محافظة الغربية. ويشغل د. لبيب حاليا أستاذ علم المناعة بكلية العلوم جامعة طنطا ومدير مركز التميز لأبحاث السرطان والمدير السابق لمركز المشروعات والابتكارات ونقل التكنولوجيا بـجامعة طنطا والمشرف على مركز تنمية إقليم الدلتا التابع لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ورئيس مجلس ادارة الجمعية المصرية لأبحاث السرطان. حصل د. لبيب علي وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولي من السيد رئيس الجمهورية في 2019 وجائزة الدولة التقديرية لعام 2018 وجائزة الدولة للتفوق لعام 2009 وجائزة الدولة التشجيعية لعام 2003 وجائزة جامعة طنطا التقديرية لعام 2015. حصل د. لبيب علي بكالوريوس العلوم عام ١٩٨٤، وماجستير العلوم في ١٩٨٩، والدكتوراه في ١٩٩٥ من خلال بعثة إلي جامعة كيوشو باليابان. حصل علي منحة باحث بعد الدكتوراه في الفترة من ١٩٩٧ -٢٠٠١ ثم أستاذ زائر بالجامعة الطبية بكارولينا الجنوبية بأمريكيا الفترة في من ٢٠٠١ -٢٠١٠. د. لبيب باحث في علم المناعة له أكثر من 120 بحث وخمسة فصول في كتب علمية. و أكثر من 30 مشروع بحثي و 85 رسالة ماجستير ودكتوراه وشارك في 90 مؤتمر دولي والقي اكثر من 80 محاضرة علمية في مصر والخارج. د. لبيب عضو في اتحاد الكتاب مصر ومستشار علمي لمنظمة المجتمع العلمي العربي وعضو في هيئة التحرير والتقييم للعديد من الدوريات العلمية. قام د. لبيب بتأليف 8 اعمال ادبية من 2014 حتي الآن عبارة عن 4 روايات واربعة مجموعات قصصية وله أكثر من 70 مقالا في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية. كما يلقي د. لبيب محاضرات عامة في الجامعات والمدارس والجمعيات الأهلية عن الادب والعلم وتبسيط العلوم والإعجاز العلمي في البيولوجيا عامة والجهاز المناعي خاصة. كما أن له قناة على اليوتيوب يقدم فيها محاضراته. تأليف 56 مقال باللغة العربية في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية مثل الفيصل، العربي والعلم وكذلك على العديد من المواقع العربية مثل موقع منظمة المجتمع العلمي العربي وموضوع والصحف مثل روز ليوسف والديار والسبورة. أهم الأعمال الأدبية المنشورة : 1. رواية بعنوان "الرصاصة الجينية " – الناشر: دار النابغة –مصر 2019 2. كتاب "زواج بويضة" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2019 3. كتاب "سفاري إلى الجهاز المناعي" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2018 4. راوية بعنوان "وقت للبيع" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2014. 5. رواية بعنوان :كاندليه" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2016 6. مجموعة قصصية بعنوان "العشق الحلال" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2015 7. مجموعة قصصية بعنوان "زحمة مشاعر" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2015 8. مجموعة قصصية بعنوان "مشاعر لا تعرف السقوط". تحت الطبع. الناشر: دار النابغة –مصر 2019 9. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي اليابان " من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 10. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي امريكا" من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 11. كتاب بعنوان "تأملات في الجهاز المناعي – تبسيط العلوم - تحت الاعداد 12. كتاب بعنوان "تأملات في بيولوجيا النفس" – تحت الاعداد البريد الإلكتروني [email protected] [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق