مدونات

الموت بين العلم والفلسفة والأديان

وجدت نفسي مُلقى على أحد الأسرَّة بمكان ما، لا أرى إلا ضباب، وأشعر بدمٍ يخرج من فمي، كما يحاوطني أهلي وبعض أصدقائي القدامى، أين أنا؟ ومن هؤلاء؟ حينها تذكرت أنني قمت بحادث سيارة، كنت أسمعهم جيدًا، ولكنهم لم يفعلوا، ظللت أبكي ولم ينتبه لي أيٌ منهم.

كانوا يتحدثون ويضحكون وأنا؟ أنا بين الحياة والموت، الموت؟ ولكنني لا أريد أن أموت، كيف أموت ولم أزر إيطاليا من قبل؟ وكيف أفعل وأنا لم أحظى بموعد مع صديقتي على شاطئ الأسكندرية فجرًا؟ لا يا الله، فأنا أحبك، أعدك أنني سأصلي بداية من الغد ولكن انقذني، ثم أجهشتُ بالبكاء وخلدت في نومٍ عميق.

بعد فترة وجدت نفسي وحدي بفناء الجامعة، ما الذي أتى بمقهتي المفضلة هنا؟ أيُعقل؟ حينها رأيت شخصين من بعيد يجلسان بها، فاقتربت قليلًا “ما هذا؟ ما الذي أتى بصديقتي هنا؟ ومَن هذا الذي معها؟“ بعدها اقتربت أكثر، وسألتها: “ماذا تفعلين هنا؟“ لم تجب، والأغرب أنها لم تعرني أيّ انتباه وكأنها لا تعرفني، ظللت أكرر حتى أجابني من معها: أهلًا بك يا عزيزي، أنا “الموت“ وأما هي “فالحياة“ ونحن نلعب.

فسألته متعجبًا: كيف تكون الموت وتتحدث؟ أو بصيغة أخرى: كيف تكون موجودًا أصلًا؟
حينها وجدت “الحياة“ تتجه إليّ بعينيها وتتكلم: نحن نلعب كما ترى؛ وذلك حتى تسير الأمور، وأنت هنا بين الحياة والموت، ولا تقلق سنترك لك الخيار، ولكن اعلم أنه لكي تختار الحياة لا بد لك أولًا أن تؤمن بالموت، وتتقبل حتمية وجودة، فالموت هو الحياة.

ربما لم تفهم شيئًا، وربما أكون قد أطلت في المقدمة هذه المرة، ولكنك لاحقًا سوف تشكرني على تسهيل الفكرة إلى هذا الحد، دعني أوضح لك تفصيليًا ما هو الموت، وما هي مراحله، ومتى نموت تحديدًا، وهل هناك حياة بعد الموت؟

“أنقذناه من الغرق وكان قد توقف عن التنفس، بل وتوقف قلبه عن ضخ الدم، ولكنه حيٌ يرزق الآن، فكيف ذلك؟“ تلك الجملة التي تحدد وبدقة مفهوم الموت الإكلينيكي، وهي الفترة التي تأخذ من 4 إلى 6 دقائق، وبها يمكن أن ترجع لحياتك وبعد عمل (revive)، أرى أنك تتذكر الكلمة جيدًا من لعبة (PUBG) هي بالضبط ما تذكرته، حيث تظل أعضائك قائمة بوظائفها، بل وربما يكون هنا أكسچين كافي في المخ لإدارة هذه العملية.

حينها لا نستطيع أن نفيد بأنك ميت، حيث لا يوجد موت دماغي، والذي يقصد به عدم وجود أكسچين في المخ، ولكن ماذا إن حدث؟ هل نسمي هذا موتًا؟

بكل بساطة لا نستطيع وصف الإنسان بميتٍ إلا إذا دخل في حالةٍ لا رجعة فيها للحياة، وليس شرطًا أن تعرف معنى الحياة أولًا حتى تعرف الموت، بل بالعكس أنا أكتب لك عن الموت خصيصًا حتى تعرف معنى الحياة.

أنا لا أنسى الروح كما تسميها بعض الثقافات والأديان، ولكن دعنى أخبرك مختصرًا ماذا يحدث للجسد بعد الموت؛ المرحلة الأولى هي عملية تُعرف بالتخشب الموتي (Rigor Mortis)، والتي لطالما تُوصَف بعلامة الموت وتأخذ من 4 إلى 24 ساعة بعد الموت، وبعدها تأتي عملية التعفن (Putrefaction)، وهو ما يحدث عندما تبدأ البكتيريا وغيرها من أكل ما في البطن والجسد، ثم تتنشر ما توصف برائحة الميت، وبناء عليه تبدأ الحشرات في محاوطة الميت، وأما الشعر والأظافر والأسنان فيكونون آخر عمليات التحلل.

وإلى هنا نكون انتهينا باختصارٍ من الجزء المثبت علميًا، لنبدأ معًا الجزء الذي يشوبه الكثير من الجدال، وهو الجزء المعبر عن الأخلاقيات والمشاعر وغيرها، أو ما يعرف بالروح، هل تموت الروح والأخلاق وما إلى ذلك؟ هل تصعد إلى خالقها؟ أو السؤال الأهم هل هناك شيء يسمى بالروح؟

تختلف الأديان في هذه المعضلة، ورغم اتفاقهم على بعض منها، ففي المسيحية والتي تمثل حوالي 32% من البشر -وفقًا لآخر دراسة وصلتني- فهي تؤمن بأن الروح تصعد للرب في الحال، حيث يختار لك إما جنة الخلد أو الجحيم، وذلك بناءً على مجمل أعمالك خيرًا كانت أم شرًا، وكذلك الإسلام والذي يمثل 23% من البشر، ولكن يختلف البعض في الإسلام في أن الروح لا تصعد إلى خالقها في الحال، وإنما تظل مع الجسد حيث يأتي يوم القيامة وحينها يحدد الله من سيدخل الجنة أو النار بناءً على أعمالهم أيضًا، وأما في البوذية فيؤمنون بما يسمى بالـ (Nirvana) وهي حالة الخلو من المعاناة، والراحة الأبدية حيث لا يتأثر الإنسان بأي مؤثر خارجي، ولا يغضب ولا يحزن، ولكنها السعادة والنشوة الأبدية، والتي قد يصلها البوذي —كما يؤمنون— ببعض من عمليات التأمل.

هناك الكثير من النظريات في صدد هذا الموضوع بالطبع، ولكنني تعمدت ذكر الثلاث الأهم والأكثر جدلًا في العالم حتى الآن وتحديدًا عند بعض المعتقدات، ورغم ذلك، عدد كبير لا يؤمن بوجود حياة أصلًا بعد الموت، وهذه ترجع فقط إلى الإيمان ولم يتأكد منها العلم حتى الآن، فلا تتوقع أنني سأجيبك، فأنا لست هنا إلا لطرح العديد من الأسئلة.

واعتمادًا على وصف بعض من مروا بتجربة القرب من الموت (Near Death Experience)، فهناك من أخبر أنه رأى شكلًا خياليًا لجسده يخرج من جسده الحقيقيّ، وهناك من رأى أهله وأصدقائه الذين لم يجتمع بهم منذ وقت بعيد، وعُرض على آخر بعض المشاهد القديمة من حياته، ورغم ذلك هناك من قال بكل بساطة أنه كان عاديًا حيث ذهب في نوم وعاد.

ولذلك كلها تجارب لا تدل على الموت، حيث لن يخبرنا من خاض التجربة بالتأكيد، ولكن هناك بعض مما يحدث والذي يخبرنا بها العلم، كالهلوسة (Hallucinations) لنقص الأكسچين في الدماغ، وذلك بقياس التغييرات عن طريق ال (Temporal lobe) والـ (happocampus) في المخ.

ربما يكون الهدف من وجودك هو إنتاج نسل جديد أو حمل المواد الوراثية، ولكن الأمر الواقع أنك هنا، فماذا ستختار؟ أن تكون على قيد الحياة أم أن تعيش؟ إن ظللت تخاف الموت فأنت فقط على قيد الحياة، ولكن ما يجب عليك فعله كما أخبرتك في البداية هو أن تقدِّر الموت وتقرر حتمية وجوده، وحينها فقط تستطيع الحياة (اللي هو مانا كده ميت وكده ميت، أنا هاخاف من إيييه؟).

الكل يقول: ”كم هو صعب علينا أن نموت”، وهي شكوى غريبة تأتي من أفواه الناس الذين اضطروا للعيش؛ فالخوف من الموت يأتي من الخوف من الحياة.

«لا أخشى الموت، فلقد كنت ميتًا لمليارات السنين قبل أن أولد، ولم اتضرر قط»

— مارك توين

في الحقيقة لقد انتهيت من مقالتي بالأمس، ولكن بعدما أبدى رأيه، سألني أحد الأصدقاء سؤالًا هامًا: “هل سينتهي الموت؟“ مما جعلني أدقق في عمليات البحث أكثر متبعًا إحدى المدارس الفلسفية المعروفة (Anti-natalism)، والتي تخبرنا أنه لن ينتهي الموت إلا بانقراض الإنسان، والذي قد يتم ببساطة بالتوقف عن الحمل والولادة، الأمر الذي سيتعجل النهاية، أي أن الأمر كله في يدك.

وعلى هامش الحديث، يُقتل حوالي 20 مليون بني آدم سنويًا بسبب الجوع، و5 ملايين بسبب الحوادث، وغيرهم من 150 مليون يموتون بالقتل، كما يعاني حوالي 840 مليون بني آدم من سوء للتغذية، بيد أنه —طبقًا (لمنظمة الصحة العالمية WHO)— ينتحر شخص واحد كل 40 ثانية حول العالم، أعنى أنه قد انتحر حوالي 12 شخص وأنت تقرأ مقالتي هذه.

لذا دعني أسألك أو فقط أتساءل؛ إن كنت تفاجئ العالم بطفلٍ جديد وأنت تعلم جيدًا أنه سيعاني من الأمراض؛ الجسدية منها والنفسية، والناس والمشكلات والمسؤوليات، وربما ينتحر وبنسبة فوق الـ 50% سيدخل النار، وفوق كل هذا أنه في وقت ما سيموت، لم لا يعتبرك المجتمع قاتلًا؟

ويا عزيزي بغض النظر عن معتقداتك، لا بد لك أن تعيش حياتك بالشكل الذي يجعلك سعيدًا وذلك بتحقيق أفضل نسخةً منك، حيث يتذكرك الآخرون بعدما تذهب؛ فأنا لم أتذكر زيارة إيطاليا أو موعد صديقتي بالأسكندرية إلا عندما كنت أموت، وكذلك لم يتذكرني أصدقائي إلا وأنا على سريري، حمدًا لله أنني ما زلت هنا، ليس فقط لأغيِّر ذلك، ولكن إن ذهبت، من سيكتب لك بعدي؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد ياسر عامر

طالب بكلية طب عين شمس، أهتم بالفنون والآداب، كما أؤمن بأن العلم هو الطريق الوحيد نحو التغيير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق