مدونات

الموتى يحكمون الأحياء.. كرامات الأضرحة

الموتى ممن يرقدون الآن في قبورهم وقد بنيت عليهم قباب بيضاء مرصعة بصباغة خضراء، ممن كان لهم نصيبهم من الحضور والفاعلية، أو فقط كانت لهم  تلك الصفة بعد موتهم، في عهود مضت ويرقدون الآن بسلام منذ قرون خلت، لا يستطيعون شيئا، وبالرغم من ذلك فهم يحكمون الأحياء، المثقفون منهم والأميون، من مختلف الطبقات، العامة والخاصة.

إنهم يخضعون كرهًا وطواعيةً لقوانينهم، بكل حذافيرها وتفاصيلها الدقيقة والمملة، مخافة أن تحل اللعنة عليهم.
بالرغم من موتهم منذ آلاف السنوات والأعوام إلا أنهم ما زالو يعيشون معنا وبيننا وفي كل مكان، نسمع حكاياتهم كل يوم، بركاتهم وبطولاتهم التي لا تنتهي بموتهم.

إنها تحيا حياة أخرى في عقول الكثيرين ممن يعيشون بيننا، فيصبح “الولي الفلاني” أو “سيدي فلان” قبلة الحياة، ورمز السعد والسعادة،إليه يصيرون وبما نطق الحفيظ (المشرف العام على الضريح) يقضون، ترفع الذبائح والأضاحي إليه، القرابين والشموع، ترافقها طقوس جد غريبة كما ترافقها أهازيج غير مفهومة المعاني.

الأضرحة والزوايا التي تبنى لهؤلاء الموتى، تؤسس على كرامات الولي الذي يُدفن في قبر في أرض خاصة به وليس في مقبرة مع بقية المسلمين، أو يُدفن بداخل الزاوية.

يُشيَّد على القبر بناء يُغطى بأثواب خضراء عليها بعض الآيات القرآنية لربطه بالدين الإسلامي، ولشرعنته أمام زواره الذين يرفضون نعت ما يقومون به من ممارسات على أنها خارجة عن الإسلام أو شرك بالله، ما دام الولي يتصف بالورع والتقوى والصلاح.

ويبقى لكل ولي صالح قصصه الخاصة وكراماته الخارقة التي تتجاوز حدود المعقول أحياناً، وتدرج في إطار الأساطير والخرافات، التي تتوارث سردها الأجيال وتكون محل ثقة، خاصة في صفوف الأميين أو من يعتقد بقدرات الأولياء فوق الطبيعية التي منحها له الله نظراً لالتزامه الديني وزهده وتصوفه. وبالتالي يعول عليه في وساطته مع الله الذي يستجيب له.
فهؤلاء الأولياء أموات، ولكنهم في نظر من يقومون بزيارتهم ويطمعون ببركاتهم أحياء قادرون على حل مشاكلهم.

وما يلفت الانتباه بزوايا المغرب أنها لا تقتصر على الذكور فقط، بل تنتشر العديد من الأضرحة التي تحمل أسماء نساء ارتبط اسمهن أيضًا بكرامات وحكايات عن تقواهن وورعهن، وتتم زيارتهن والتبرك بهن تمامًا كما أضرحة الرجال.

ومن جهة أخرى يوجد بالمغرب أضرحة مقدسة ليهود يتم تنظيم موالد وزيارات سنوية لها من قبل يهود مغاربة ويهود قادمين من مختلف دول العالم، يقيمون خلالها صلوات ويتبركون بها تمامًا كما يحدث عند أضرحة المسلمين.
في هذه الأماكن التي يرقد فيها هؤلاء الموتى حقيقة ومجازًا، تجد الكثير من الناس يأتون إليها بغية تحقيق أمانيهم أو تعطيل أماني الآخرين. منهم من يطلب الزواج من امرأة لم تتزوج بتاتًا، ومنهم من يطلب الأبناء من وليّ لم يكن له نفسه أبناء، وأحيانا يقدمون الغالي والنفيس من أجل تعطيل أماني الآخرين والانتقام منهم، حسدًا وغيرة، وهنا ينشط بالإضافة إلى بركة الموتى، كهنة المزار ودجالوه، فيطلبون من الأحياء تقديم قرابين سوداء وأشياء أخرى كثيرة تباع هناك، أو الاغتسال بماء يباع خصيصًا بجانب القبة، ماء الوليّ المدفون الذي لا ينضب أبدًا.

وأحيانًا يطلب منهم أو منهن تغيير ملابسهم أو ملابسهن بواحدة أخرى، كسوةً لأهل المكان، المكان محروس في اعتقاد الكثيرين من طرف قوى تحكمه، وما هو بمحروس إلا من طرف جماعة من المشرفين عليه.

فبعد انتهاء الطقوس الشيطانية من غسل وذبيحة وتقديم ملابس وقرابين، يخرج الميت بهالته من قبره ويأخد كل شيء ثم يعود، لقد بارك لهم في ذلك، وما هو بخارج أو حي فقط هو وهم يصدقه الناس من ضعاف النفوس، فالذين يأخدون الملابس والقرابين وكل شيء في الحقيقة هم الذين صنعوا لأنفسهم هالة يحرسون المكان وراثة عبر الأجيال، يرتدون ثيابًا من بركة السيد ويدعون نسبه، إنهم صلة الوصل ما بين الأحياء والأموات.
إن هؤلاء الموتى يرقدون في حماية المجتمع، ويعتبرون من التجمعات المريحة للسلطة، ولا تشكل أي قلق لها أو خطر عليها، كما أنها لا تنحو باتجاه العنف. وهذا ما يفسر دعم السلطة لها وتوقير نخبها ومنحها الهبات والهدايا. يلبسون من ثياب الأحياء ويأكلون أيضًا منهم، دون أن يقدّموا شيئًا لهؤلاء الذين يأتون إليهم.

فقط الوهم الذي تشبع به الناس. وما يتم الترويج له يجعل العديد من الناس يصدقون ذلك ويسعون بكل جهد إلى التبرك من الولي الفلاني، يقدمون الأموال وكل شيء من أجل الوهم.
فلو تمعنا في ما يحدث من حولنا لوجدنا أن أغلب هؤلاء الموتى حقيقةً لا يقدرون حتى على تنظيف قبروهم من الشموع والأوساخ والأسماء التي كتبت فوقهم، ويحكمون أحياءً بثقافتهم ومستوياتهم العلمية والدراسية ومكاسبهم في الحياة، ومناصبهم العليا، إننا نقدس القبور التي أريد لنا تقديسها دون البحث عن الجدوى من ذلك، فنجد لها الكثير من الموالين يحرسونها ويدافعون عن بقاءها وصمودها، رافضين كل الأفكار التي تدعوا إلى تحكيم العقل وتفنيد الروايات الشفهية التي تحمل الكثير من الكذب، وقد نعرف أن كل شيء بهذا الضريح كذب ونسعى بالرغم من ذلك إلى التبرك منه سيرًا على نهج شخص ما، زار الضريح والتقى بصاحبه وأصبغ عليه بركاته فحصل على عمل ومال وزوجة، وما هو في الحقيقة إلا رزقه الذي تأخر، فلا بركات ميت تنفع ولا سحر ساحر يضر.
وانت تنظر اليوم الى عدد زوار الأضرحة، من الأحياء الذين يطوفون بقبور الموتى، تقف باستغراب كبير ودهشة غير مصدقًا هذا العدد الكبير الذي يحضر يوميًا وفي مناسبات عديدة، ففي موسم مولاي عبد الله يذبح الثور ويقدم قربانًا لهذا الولي التقي كما قيل لنا، ثم يتعفف عن أكله ويتركه للأحياء يتقاسمونه بينهم، يمسحون أيديهم و يخرجون إلى الناس من رواد هذا الولي، بعد أن تبركوا من مولاهم عبد الله يطلقون العنان للرقص والموسيقى، طربًا لنفس ميتة تقية، حتى تسعد في قبرها وتنعم عليهم ببركاتها، يحصدون ويعصرون وفي العام القادم يقدمون القربان مرة أخرى ، لن يستطيعوا التخلي عن مولاهم فقد تحل لعنة عظيمة عليهم، ولن يرض عنهم مرة اخرى.

وعلى غرار مولاي عبد الله امغار الذي يحكم أحياء كثر، هناك أيضًا أضرحةً لأولياء لهم باع طويل وبركات خارقة، فلا يستطيع هؤلاء إلا أن يمارسوا طقوسهم وأوهامهم التي يصدقونها، والبركات التي يحلمون بها.

ويذكر أحد الذين كنت برفقتهم في زيارةٍ لضريح عايشة البحرية بأزمور مستملحة عجيبة لا أعلم أهي حقيقة أم من نسج الخيال يقول لي: اختصم شقيقان بعد وفاة والدهم على ولي صالح، حول من له الحق في تولي العمل بالضريح، ووصل بهم الأمر إلى أن تنازعا واختصما، وقررا أن يهدما الضرح ويقتلعون الميت ليتم دفنه في المقبرة، هدموا  القبة التي كان يزورها أحياء كثر، وتمت إزالة ما كان يعلوا القبر من أسمنت وقطع قماش أخضر وغير ذلك، ليجدا ما بداخل القبر هيكل حمار فقط، وما هو بإنسان.

حمار ميت كاد أن يقتل احدهم ويرسل الآخر إلى السجن ببركة الركل والنهي. قصةٌ يرويها صديقي ويضحك ولا أعرف حقيقة صحتها، لكن ما توصلت إليه وأيقنته، أن الموتى يحكمون الأحياء.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق