مال وأعمال

المواطن والإدارة بالدول العربية “المرفق العام”.. أي علاقة؟

يتعرض المرفق العام اليوم للعديد من الانتقادات والمؤاخذات التي تبدو ملامحها من خلال عدم الرضا الذي يبديه المواطن على فعالية وجودة خدماته، وهذه الانتقادات ليست موجهة إليه هو بالذات بقدر ما هي موجهة ضمنيًا إلى المسؤولين الساهرين على تدبيره، لذلك يبقى سلوك وتصرف العنصر البشري هو موضوع الانتقاد طالما أنه يقوم بتدبير هذا المرفق ويلبي خدمات المرتفقين.

ويتجه لوم المواطن للمرفق العام صوب مسألتين أساسيتين؛ مسألة الشفافية الإدارية بسبب تدني البعد الأخلاقي في أداء العمل الإداري، والذي ينعكس من خلال سيادة مظاهر الفساد الإداري حيث تنمو الرشوة والمحسوبية والعلاقات الشخصية والتوظيف السيء للسلطة، ثم بسبب الأزمة التي يعرفها النظام التواصلي بالمرافق الإدارية وما تطرحه من إشكالات، تبرز بوادرها في ضعف ثقافة الاستقبال بالادارة وما ينتج عنها من تيه وغموض لدى المواطن، وكذلك في ضعف قنوات التواصل أثناء طلب المعلومة الإدارية.

والدافع إلى حصول كل هذه الإشكالات له علاقة بالمسألة الثانية، موضوع الانتقاد، والتي تتعلق بأزمة التنظيم الإداري حيث يعترض سير العمل الإداري بالإدارة بعض الحدود ذات الطبيعة البشرية التي تنعكس عليه سلبًا مثل ظاهرة الإضراب وعدم احترام أوقات العمل الإداري التي تمس بمصالح المواطنين.

ومن بين المشاكل التي تؤثر أيضًا على العمل الإداري نجد الغموض والتعقيد اللذان يطبعان ممارسته بسبب تداخل الاختصاصات بين المصالح وضعف اللجوء إلى تقنية التفويض الإداري. إنها إشكالات إدارية لها علاقة مباشرة بالسلوك البشري الذي يؤثر فيها ويتأثر بها، حيث تضعف روح المسؤولية ويغيب الضمير المهني وتنهار الأخلاق في ظل واقع إداري يجد فيه الموظف نفسه طرفًا ضعيفا في غياب ثقافة روح الفريق وضعف الانسجام والتماسك، ووجود حواجز تمنع التواصل والتنسيق فيما بين أطراف المرفق العام . وبالتالي، فإن هذه السلوكات تشکل دافعًا موضوعيًا لتبني مقاربة تخليقية لممارسة العمل الإداري بالمرفق العام الجماعي.

وعلى ضوء هذه الإشكالات الأخلاقية التي تعرفها الممارسة الإدارية، فقد تم العمل على وضع جملة من المداخل الإصلاحية الرامية إلى تخليق المرفق العام، والتي ستشكل منظومة متكاملة من القيم التي يمكنها أن تساهم في إرساء ثقافة أخلاقية في الإدارة. ومن بين هذه المداخل نجد المدخل القانوني الذي اعتمد على إصدار بعض القوانين المتعلقة بتنظيم العمل الإداري الجماعي وبعض القوانين المواكبة التي تهدف في مضمونها إلى تخليق المرفق العام، ثم نجد المدخل المؤسساتي من خلال إحداث وتدعيم بعض المؤسسات تسعى إلى مراقبة الإدارة والموظفين وتوقيع العقاب والزجر في حالة الإخلال بالواجب. وهناك مؤسسات أخرى أحدثت من أجل التحكيم والصلح أو الوقاية من مظاهر الفساد وتقديم الاقتراحات الممكنة.

إن مطلب تخليق الإدارة لم يأتي من الصدفة أو العبث، لكن واقع الممارسة الإدارية بهذه المؤسسة يعرف ظواهر إدارية غير سليمة وغير سوية، والتي تحتاج إلى التصحيح والتقويم عبر تخليق سلوكات أصحابها. فإذا كان الغرض من إحداث الجماعة (كوحدة ترابية وإدارية) هو تكريس مبدأ الديمقراطية القائم على التمثيل المكثف للسكان ومشاركتهم في التسيير، وتقريب الخدمات العمومية منهم، عبر إقامة تنظيم إداري يضم عناصر بشرية تسهر على ذلك، فإن الممارسة الإدارية في المرفق العام تبين مدى النقص الذي يظهر على أدائها وعلى الخدمات المقدمة للجمهور.

وتتسم المشاكل التي تطبع الإدارة، بالتعدد والاختلاف والتباين، وهو الأمر الذي يفرض مناولة كل مشكل على حدة من أجل البحث عن مظاهره والمسببات الكامنة وراء وجوده، ولعل أهم المشاكل الداعية إلى تخليق العمل الإداري الجماعي، تستوقفنا إشكالية الشفافية في العمل الإداري. فهذا الأخير يتم في أجواء مشحونة ببعض السلوكات المنافية للقيم الأخلاقية وحتى القواعد القانونية، ثم ضعف قنوات التواصل مع المواطن/ المرتفق؛ فالتعتم والانغلاق أهم السمات التي تطبع المصالح الإدارية، مما يجعل الإدارة تتصرف بطريقة سلطوية وتكبح كل مبادرة خارجية.

ومن جهة ثانية تشكل أزمة التنظيم التي تميز صيرورة العمل الإداري، والتي يشكل فيها (أزمة التنظيم) العنصر البشري السبب الرئيسي، لعدم احترام القوانين واللوائح التنظيمية والاشتغال بشكل عشوائي وارتجالي، الأمر الذي يتطلب شن حملة إصلاحية على المرفق العمومي تهدف إلى تخليق العمل الإداري عبر تقویم سلوك القائمين على سير المصالح الإدارية وتوفير الشروط العامة للعمل، بغية رعاية مصالح المتعاملين مع الإدارة والطالبين لخدماتها، ومن أجل توفير الفعالية والجودة في المرفق العام .

اقرأ أيضًا : التضخم الاقتصادي.. من المنظور النمساوي

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق