مدونات

المنهج الأثري والفقهي في التفسير ” مقارنة بين تفسير ابن كثير والقرطبي”

المنهج الأثري والفقهي في التفسير

الحمدلله الذي اختار لنا الإسلام دينًا، وشرفنا بالإنتساب إليه وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إن الحديث عن مناهج المفسرين من العلوم المهمة لأن التفاسير لكتاب الله عز وجل كثرت جدًا حتى بلغت أكثر من مائة تفسير موجود وهناك تفاسير مفقودة، ولابد من طالب العلم أن يحرص على معرفة معاني كلام الله عز وجل أن يعلم مناهج المفسرين وطرائقهم حتى إذا راجع تفسيرًا لأحد المفسرين، يعلم مع ما يتميز به ذلك التفسير ويعلم منهج المؤلف حتى لا يضيع بين كثرة التفاسير، والمنهج المفسرين هي الطرائق والخصائص التي يتميز بها التفسير والمناهج جمع منهج والمنهج والنهج هو الطريق الملتزم وهذه المناهج متنوعة ومتعددة.

التفسير في اللغة مأخوذ من فسر أي الكشف والإبانة، ذكر في لسان العرب، الفسر أي البيان” فسر الشيء يفسرون بالضم مفسرًا، يفسره بكسر السين، وغيره إبانه”، قال تعالى “لا يأتونك بمثل إلا حبناك بالحق وأحسن تفسيرًا”. وفي الإصطلاح علم يبين به كتاب الله تعالى المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لتسهيل فهمه واستخراج أحكامه والمراد من تنزيل آياته وسورة، ويعرف أيضًا هذا العلم بأنه العلم الذي يبحث المفسر فيه عن كيفية نطق ألفاظ القرآن ومدلولاته وأحكامه الافرادية والتركيبية.

أهمية التفسير: يعد من أنفع العلوم على الإطلاق ويعرف من خلال معاني القرآن التي تساعد المسلم على اهتداء العمل الصالح ونيل رضا الله سبحانه وتعالى والفوز بجناته، وذلك العمل بأوامره واجتناب نواهيه والأخد بالغبرة من قصصه.

وذكرت آيات كثيرة في مواضيع عديدة في القرآن الكريم تحث المسلم على فهم القرآن الكريم فهمًا صحيحًا ومعرفة المطلوب منه والعمل بمقتضاه ومن أجل هذه الأسباب يجب على المفسر أن يكون محيطات ببعض العلوم.

الإمام ابن كثير هو اسماعيل ابن عمر ابن كثير بن ضوء بن زرع الشيخ الإمام العلامة عماد الدين الدين أبو الفداء ابن الشيخ شهاب الدين أبو حفص القرشي ولد سنة 701هجرية في قرية مجيدل من أعمال بصرة الشام وعاش في دمشق، كان للبيئة المحيطة بابن كثير أثرًا كبيرًا في نشأته، كان أبوه خطيبًا إلى أنه توفي 703هجرية وبقي تحت رعاية أخيه كمال الدين عبد الوهاب، ترعرع في طفولته في هذه القرية منذ أربع سنوات.

ومن شيوخ الإمام ابن كثير: أخوه الأكبر عبد الوهاب ابن عمر ابن كثير كمال الدين وعيسى المطعم والقاسم ابن عساكر ومحمد ابن محمد الشيرازي واسحاق ابن يحيى الأمدي ومحمد ابن أحمد الزراد وابن القاضي شهبة وشيخ الإسلام ابن تيمية.

ومن تلاميذه: سعد الدين النووي وشهاب الدين حجي وابن الجزري والزركشي.

ومن مؤلفاته: تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، وكتاب التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل وكتاب الهدي والسنن وفي أحاديث المساند والسنن..إلخ.

الإمام القرطبي: هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي المفسر، ولد في قرطبة أوائل القرن السابع الهجري مابين 600-610هجرية وعاش بها، ثم انتقل إلى مصر حيث استقر بمنية بني خصيب في شمال أسيوط ويقال لها اليوم المنيا وبقي فيها حتى توفي.

نشأ القرطبي منذ صغره على العلوم الدينية والعربية إقبال المحب لها، ففي قرطبة تعلم العربية والشعر إلى جانب تعلمه القرآن الكريم وتلقى بها ثقافة واسعة في الفقه والنحو والقراءات، توفي يوم الاثنين التاسع من شوال سنة 671هجرية وقبره بالمنيا شرق النيل.

ومن شيوخه: ابن رواح وابن الجميزي وأبو العباس والحسن البكري.

ومن تلاميذه: ابنه شهاب الدين احمد وأبو جعفر بن إبراهيم بن الزبير بن عاصم الثقفي العاصمي الغرناطي واسماعيل بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الصمد الخراستاني وأبو بكر محمد ابن الإمام الشهيد كمال الدين أبي العباس أحمد بن أمين الدين أبي الحسن علي بن محمد بن الحسن علي بن محمد بن الحسن القسطلاني المصري.

مؤلفاته: الجامع الأحكام القرآن والتذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة وهو مطبوع ومتداول، ثم التذكار في أفضل الأذكار وكتاب آخر الأسنى في شرح أسماء الحسنى وصفاته العليا وأيضًا الأعلام بما في دين النصارى من المفاسد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام.

منهج إبن كثير في التفسير: نذكر منهج ابن كثير رحمة الله عليه في تفسيره في النقاط التالية:

أولًا: تفسير الآية بعبارة سهلة، وبأسلوب مختصر يوضح معنى العام للآية

ثانيًا: تفسير الآية بأية أخرى: إن وجدت حتى يتبين المعنى ويظهر المراد، وقد يذكر ابن كثير عدة آيات في تفسير الآية الأولى وكأنه يجمع بين الآيات المتماثلة والمتشابهة في المعنى، والمتحدة في الموضوع، مما يعرف اليوم بالتفسير الموضوعي، واعتنى ابن كثير بشده في هذا النوع من التفسير المعروف بتفسير القرآن بالقرآن.

ثالثًا: رواية الأحاديث بأسانيدها أو بغير أسانيد لإلقاء الضوء النبوي على معنى الآية لأن من وظيفة الرسول التبليغ والبيان.

رابعًا: تفسير القرآن بأقوال الصحابة تفسير الآية بحسب المؤهلات التي يمتلكونها وعلى ضوء الأحداث التي تستدعي بيان القرآن الكريم للتطبيق في الحياة وفي مجالس العلم والتدريس التي تولاها الكبار الصحابة رضوان الله عليهم وهم أقرب الناس لنزول الوحي وتخرجوا من مدرسة النبوة وملكوا ناصية اللغة العربية لذلك أصبحت اقوال الصحابة محل الإحترام والتقدير والقبول.

خامسًا: الإستئناس بأقوال التابعين وتابعي التابعين ومن يليهم من علماء السلف وخاصة أهل القرون الثلاثة الذين شهد لهم الرسول صلى الله علية وسلم بالخيرية وحملوا دعوة الإسلام من الصحابة وقاموا بعبء الدعوة ونشرها للشعوب الإسلامية.

سادسًا: الاسرائيليات: نتج عن رواية بعض الصحابة وبعض التابعين وجود الأحاديث وروايات مأخوذة من مصادر أهل الكتاب والتي تسمى اسرائيليات ومعظمها غير صحيح ولا معقول ،وأكثرها غرائب وطوائف، وكان ابن كثير محدثا حافظا وهو أدرى الناس بذلك ولهذا نص عليها في مقدمة تفسيره وصنفها إلى ثلاثة أقسام أن هذه الروايات للإستئناس لا للإعتقاد ولا للبيان والقبول، وقد تسربت هذه الإسرائيليات إلى كتب التفسير وغيرها ولذلك كان ابن كثير نبه إلى ما في التفسير المأثور من منكرات الإسرائيليات ويحذر منها على وجه الإجمال تارة وعلى وجه التعيين والبيان لبعض المنكرات تارة أخرى.
ويصرح بخطر الإسرائيليات بشكل بارز في أمكنة متعددة ويحذر منها ويكشف أسبابها، ولابد من الإشارة إلى أن ابن كثير وضع المنهج والقاعدة لقبول رواية الإسرائيليات
سابعًا: الأحكام الفقهية: يتعرض ابن كثير عند تفسير آيات الاحكام في بيان الأحكام الشرعية ويستطرد في ذكر أقوال العلماء وأدلتهم ويدخل في المناقشات الفقهية ويخوض في المذاهب ويعرض أدلتهم لكنه لم يتوسع كثيرًا.
ثامنًا: الشواهد اللغوية والشعرية: اعتمد ابن كثير على اللغة العربية في فهم كلام الله تعالى الذي نزل باللغة العربية ويجب أن يفسر بمقتضى ألفاظ العربية وأسالبها ودلالاتها وألفاظها، وشواهد الشعر التي تدل على المعنى وتوضيح المراد.
تاسعًا: الأعلام والرجال: في معظم الأحيان ابن كثير كان يذكر الأسانيد ونسبة الأقوال إلى أصحابها، وايراد أسماء العلماء الأعلام الذين نقلت عنهم الآراء ليكون دقيقا في نقله مع المحافظة على الأمانة العلمية.
عاشرًا: قوة الشخصية: عرض ابن كثير لأحاديث متعددة وروايات كثيرة وأقوال مختلفة لكنه لم يقف عند هذا الحد بل كانت شخصيته العلمية واضحة وبارزة وظاهرة ويثبت صحة الأحاديث ويضعف بعض الروايات ويعدل بين الرواة ويجرح بعضا اخر
احدى عشر:  الإقتباس: كان ابن كثير يعتمد على ما سبقه من المفسرين وينقل عنهم ويصرح بذلك ومنهم الطبري وابن عطية

الأسلوب الذي اعتمد عليه ابن كثير في التفسير هو الإطالة من حيث حرصه على ذكر الاسانيد كاملة، كما حرص على ايراد الروايات المتكررة في الموضوع الواحد والاستعانة بالشواهد اللغوية مما يؤدي الى الملل والتعب والسأمة من الإطالة في عرض التفصيلات وجوانب متفرعة ودقيقة لا يستفيد منها الا فئة مخصوصة من العلماء والباحثين.

منهج القرطبي في التفسر

تفسير القرطبي هو جامع الأحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وأحكام الفرقان بحيث حدد القرطبي منهجه بأن يبين أسباب النزول وذكره للقراءات واللغات ووجوه الإعراب وتخريج الأحاديث وبيان غريب ألفاظ وتحديد أقوال الفقهاء وجمعه أقوال السلف، ونقله عمن سبقه في التفسير مع تعقيبه على ما ينقل عنه مثل ابن جرير الطبري وابن عطية وابن العربي والكيا الهراسي.

وأضرب القرطبي عن كثير من القصص المفسرين والأخبار المِؤرخين و الإسرائيليات وذكر جانبا منها أحيانا كما رد على الفلاسفة والمشبهة والمعتزلة وغلاة المتصوفة. ويذكر مذاهب الأئمة ويناقشها ويمشي مع الدليل. ويتميز تفسير القرطبي عما سبق من تفاسير أحكام القرآن أنه لم يقتصر على آيات الأحكام والجانب الفقهي منها بل ضم إليها كل ما يتعلق بالتفسير. وعلى الجملة يعتبر هذا التفسير من أنفع التفاسير وأحسنها في ميدانه.

منهجه في تفسير آيات الأحكام:

أولًا: تقسيم الآية إلى مسائل.

ثانيًا: مراعاة الدليل وعدم التعصب للمذهب.

ثالثًا: تحقيق مذهب المالكية.

رابعًا: ذكر الشواهد من أقوال العرب وأشعارهم.

خامسًا: اهتمامه بالإعراب.

سادسًا: اهتمامه بالمسائل الأصولية وبصحة الأحاديث.

سابعًا: ذكر سبب خلاف في المسألة.

ثامنًا: ذكر مسائل الإجماع و الإتفاق.

اتجاه القرطبي في التفسير

اتبع القرطبي في تفسيره اتجاهًا فقهيًا ويعتبر من أكثر التفاسير سردًا للمسائل الفقهية

الأسلوب:

إطالة القرطبي في تفسيره  في بعض المواضيع مع أنه كان مالكي المذهب وكان يمشي مع الدليل حتى يصل إلى ما يراه صواب و من مميزات هذا التفسير هو أنه لم يقتصر على آيات الأحكام والجانب الفقهي منها بل ضم كل ما يتعلق بالتفسير.

المقارنة بين المنهج والاتجاه و الاسلوب عند ابن كثير والقرطبي

بالنسبة لمنهج ابن كثير قام بتفسير القرآن بأقوال الصحابة وأيضًا استئناسه بأقوال التابعين ونبه من الإسرائيليات في التفسير عكس القرطبي الذي ذكرها في رد على بعض الفرق الكلامية.

أما الأسلوب فابن كثير أطال فيه من حيث حرصه على ذكر الأسانيد و إيراد الروايات المتكررة و كان وجه التشابه من حيث الأسلوب بالنسبة للقرطبي أيضًا أطال في تفسيره غير أنه فسر الآيات بالمسائل وإهتمامه باللغة العربية “الإعراب”

أما الإتجاه: ابن كثير اتجاهه أثري عكس القرطبي اتجاهه فقهي.

هناك اختلاف بين تفسير القرطبي وابن كثير، حيت كانت هناك وجوه التشابه بيهم من ناحية الإعتماد على الإسرائيليات والحشو وغيرها،و أن ابن كثير منهجه أثري وسلفي البعيد عن الشطحات البديعية فأما القرطبي فقهي وغلب على تفسيره.

بعد دراستي لكلا المفسرين وجدت متعة عند قراءة تفسير ابن كثير وسبب هو ابن كثير كان يدور في فلك الآية وتحقق معناها دون الإشتغال في المسائل اللغوية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

فاطمة الزهراء المجدوب

باحثة في الدراسات الاسلامية

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى