سياسة و تاريخ

المنظمات الدولية الغير حكومية كآلية للضغط على صناع القرار

كان لظهور المنظمات الدولية غير الحكومية فائدة كبيرة على صعيد العالم بأسره لما تمتلك من مقومات النجاح، مما جعلها أن تكون طرفا دوليا فاعلا، و هذه الأخيرة هي تنظيمات أو جمعيات يتعدى نشاطها نطاق الدولة الواحدة، وعلى الرغم من غياب الاجتماع حول وجود تعريف محدد لها، إلا أنها أصبحت حقيقة في المجتمع الدولي، وتشكل قوة لها تأثيرها على الحياة الدولية.

إن وصف هذه المنظمات بأنها غير حكومية يرتبط بطبيعة العضوية فيها وبطبيعة نشأتها، فمن حيث العضوية في هذه المنظمات يلاحظ أنها لا تنشأ إلا عن تجمع هيئات خاصة (أشخاص معنوية) تنشأ على أساس اتحاد عدة هيئات غير حكومية تنتمي إلى دول مختلفة، ويجري مثل هذا الإتحاد عادة بين هيئات تعمل في حقل واحد ولكنها متواجدة في دول متعددة، ويجري ذلك قصد تنسيق العمل والتعاون فيما بينها وعندها يكون لمثل هذه المنظمات أهداف تتعدى الإطار الوطني.

أيضا العضوية يمكن أن تنتج عن تجمع أفراد (أشخاص طبيعيين ) والتي تنشأ على أساس أفراد من جنسيات مختلفة وبلدان متعددة من أجل تحقيق هدف معين، فيجتمع هؤلاء الأفراد ويتباحثون فيكونون منظمة أو جمعية دولية، ثم يجري اختيار مقر دائم لمجلسهم وسكرتاريتهم، أما ما يتعلق بمؤتمراتهم فقد يتم اختيار أماكن مختلفة لانعقادها دون تقييد بالمقر الرئيسي للمنظمة.[1]

أو هما معا (تجمع أفراد وهيئات خاصة) وهذا الأمر يحدث عندما يكون باب العضوية في المنظمة الدولية غير الحكومية مفتوحا أمام جميع الأفراد والتجمعات والهيئات، وأغلب المنظمات تجمع في عضويتها ما بين الأفراد والهيئات الخاصة مثل منظمة العفو الدولية، وعلى الرغم من أن المنظمات لا تضم في عضويتها سوى أعضاء لا يمثلون الحكومات، فإن ذلك لا يمنع من قيام البعض من هذه المنظمات لتضم في عضويتها عددا من الممثلين عن حكومات وفي نطاق ضيق ومحدود، ويرتبط بتكوين هذه المنظمات وصفها بأنها منظمات دولية لأنها تضم في عضويتها أعضاء ينتمون إلى دول متعددة، فضلا عن أن نشاطها يتخطى حدود الدولة الواحدة.

من الأمور المهمة المرتبطة بتكوين المنظمات هو مبدأ الاستقلالية الذي يعتبر من أساسيات المهمة واللصيقة بتكوينها، ويقصد باستقلالية المنظمة الدولية غير الحكومية ألا تكون خاضعة لغيرها من المؤسسات أو المنظمات أو خاضعة لإدارة الحكومات أو تابعة لها، بحيث يسهل السيطرة عليها وتوجيه نشاطها إلى الوجهة التي تتفق مع رؤية المسيطر وهذا الاستقلال يتمثل لا من حيث نشأة المنظمات أو الاستقلال الإداري والتنظيمي، أو من ناحية الاستقلال المالي المتعلق بالمنظمات الدولية غير الحكومية .[2]

فضلا عن التطور الكبير الذي شهده العالم في مختلف مناحي الحياة الدولية في هذا القرن، سواء أكان هذا التطور في مجال الحياة السياسية أم الإقتصادية أم الإجتماعية أم الثقافية.. أو من حيث نشاط هذه المنظمات في الدفاع عن حقوق الإنسان، تعززه العديد من نصوص الاتفاقيات والإعلانات والصكوك المتعلقة بمنظومة حقوق الإنسان سواء العالمية أو الإقليمية المنظمة لعمل المنظمات الدولية غير الحكومية، فضلا عن الوثائق الوطنية للدول والمتمثلة في الدساتير الداخلية للدول.

يوجد في وقتنا الحاضر العديد من المنظمات الدولية غير الحكومية المهتمة بالدفاع عن حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وتعزيز حمايتها.

إن المنظمات الدولية غير الحكومية تمارس دورا رئيسيا في العلاقات الدولية، الشيء الذي يجعل منها واحدا من الكيانات القانونية الدولية التي يتجاوز دورها تحقيق الأمن والرفاهية لكل الشعوب، إلى إرساء قواعد القانون الدولي وتطويرها، وهذا ما يؤكده القرار رقم :31 المؤرخ في 26 يوليوز 1996 بشأن تطوير العلاقة الإستشارية بين الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية، على إثر التطور الذي حققته هذه المنظمات في العمل الدولي.

يعتبر التطور البارز للمنظمات الدولية غير الحكومية الذي قد تحقق في ظل ميثاق الأمم المتحدة، فهي تشكل لهدف معين وتعبر عن إرادة الأطراف المنشأة لها، كما تهدف إلى تقديم خدمات إنسانية لكل من يحتاجها في وقت الحرب كما في وقت السلم.

المنظمات الدولية غير الحكومية تعد جزءا من المجتمع المدني وأحد وسائله لتحقيق بعض الأغراض التي يسعى إليها، وهذا المصطلح بدأت تردده في الأوساط الدولية في أكثر من مناسبة.

بدأت هذه الظاهرة تركز على ضرورة إفساح المجال أمام المنظمات، من أجل أن تشارك مع بقية أطراف المجتمع الدولي سوية في إدارة الشأن العالمي، وأن تضطلع بنشاطها في أكثر مجالات الحياة الدولية أهمية وأكثر تعقيدا، فهي تعد ذلك التنسيق المنظم من الهيئات والمؤسسات والبرامج التي تهدف إلى دعم أو تحسـين الظـروف الاقتصادية، أو الصحية أو القدرات الشخصية المتبادلة لمجموع  السكان”[3]، فهي  تنشأ بين أفراد أو هيئات من دول مختلفة، و تسعى إلى تحقيق التعاون في المجالات المختلفة سواء الاجتماعية، الثقافية، و العلمية..

على ضوء ما سلف نصل إلى فكرة مفادها أن المنظمات الدولية غير الحكومية هي تنظيمات أو جمعيات أو اتحادات غير قومية، يتعدى نشاطها نطاق الدولة الواحدة، فهي أصبحت تشكل قوة خاصة لها دورها وتأثيرها على الحياة الدولية، لكن لا تزال تستحوذ على الجزء الأكبر من النشاطات المرتبطة بحقوق الإنسان.

كما نجد أن هناك جدلا حول تمتع هذه المنظمات بالشخصية المعنوية، مما يذهب البعض إلى إنكارها بدعوى أنها لا تضم في عضويتها الدول ولا تنشأ عن اتفاقيات دولية، والبعض الآخر ذهب إلى القول بأنه يمكن الاعتراف بهذه المنظمات بالشخصية القانونية الدولية، ولها حق إبرام المعاهدات الدولية مع الدول والمنظمات الدولية، كما أن صيغة النفي التي تحملها هذه المنظمات تميزها بكونها لا تتصف بالصفة الحكومية، أي أنها لا تنشأ باتفاق بين الحكومات ولا تعمل تحت سيطرتها، وعادة ما نجد هدف هذه المنظمات يتمثل في التطوع، والذي يتجسد في محاربة أسس ومبادئ وأفكار بل وحتى قرارات تدعمها هذه الحكومات كالتفريق والتمييز العنصري والتعذيب وغيرها.

المراجع المعتمدة: 

[1] – وسام نعمت إبراهيم السعدي :”المنظمات الدولية غير الحكومية ـ دراسة في مستقبلية في ضوء أحكام التنظيم الدولي المعاصر“، دار شتات للنشر والبرمجيات – مصر- 2012.

[2] – عبدالله ذنون الصواف :”دور المنظمات الدولية غير الحكومية في الدفاع عن حقوق الإنسان“، دار الفكر الجامعي شارع سوتير – الإسكندرية ، الطبعة – 2015 .

[3]-  محمد جاسم محمد الحماوي :”دور المنظمات الدولية غير الحكومية في حماية حقوق الإنسان“، دار الجامعة الجديدة للنشر ـ الإسكندرية، الطبعة 2013.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

منى دلوح

منى دلوح طالبة باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة عبد المالك السعد -طنجة ، حاصلة على دبلوم الماستر في حقوق الانسان، موازاة مع مساري الدراسي فأنا ناشطة في العديد من الجمعيات منها مركز ليكسوس للدراسات القانونية والسوسيولوجيا، متطوعة بشبكة حقوق الانسان بمعهد بروميثيوس للديقراطية وحقوق الانسان، رائدة بالفضاء المدني... كذلك مشاركة في برامج تدريبية وتكوينية سواء على المستوى الوطني وكذا الدولي من بينها أكاديمية المجتمع المدني، منتدى شباب العالم في مصر، سفراء نوابك...
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق