سياسة و تاريخ

المنظمات الدولية الخاصة بالهجرة.. حينما يكون المهاجر أولا

أصبح المجتمع الدولي ككل يعرف فترة غير متوقعة من المخاطر والكوارث التي سببتها العديد من الظواهر أهمها ظاهرة الهجرة التي اكتسحت العالم العربي والعالم ككل بكل أشكالها وأنواعها، والتي عرفتها كذلك البشرية في الآونة الأخيرة.

مع العلم أن الهجرة ظاهرة قديمة قدم الإنسان نفسه عرفتها المجتمعات المختلفة، وبواسطتها عمرت الأرض وتلاقحت الثقافات واختلطت المجتمعات بعضها بالآخر، وهي تعتمد على العنصر البشري، كما أسهمت في بناء الكثير من الدول والمجتمعات، إضافة إلى دورها في دعم الإثراء الحضاري والتواصل الاجتماعي والثقافي بين كافة الحضارات والمجتمعات، ولا يمكن نكران وتجاهل إسهامها وبشكل مؤثر في الجوانب الاقتصادية والسياسية في مختلف المجتمعات.

ونعني بالهجرة انتقال الأشخاص فرادى وجماعات من موقع لآخر بحثاً عن الأفضل اجتماعياً أو اقتصادياً أو أمنيا، وقد عرف الإنسان مثل هذا الانتقال وخبره دون قيد أو عائق، حتى ظهور الثورة الصناعية وما تبعها من تطور في القوانين محليا ودولياً، فظهرت الحدود وجوازات السفر وتأشيرات الدخول التي حدت كثيرا من حرية تنقل الأفراد والجماعات ونظمت عملية الانتقال في إطار الهجرة المشروعة عبر الدول، وهو أمر كما يرى البعض بأنه ساعد على نشوء هجرة موازية سميت بالهجرة غير المشروعة، أو الهجرة السرية، وهي هجرة معروفة في كل العالم شماله وجنوبه وشرقه وغربه ووسطه في الولايات المتحدة الأمريكية، والدول الأوروبية، ودول الخليج العربي الغنية بالنفط، وفي أمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية، وأستراليا، وكذلك في بعض الدول الأفريقية والعربية.

وبما أن الهجرة أصبحت من المواضيع المهمة التي أعطتها المنظومة الدولية أهمية كبرى بما يعاني منه المجتمع البشري في السنوات الأخيرة، لكن في غالب الأحيان كان التركيز على الجانب السياسي والاقتصادي وإغفال للجانب الحقوقي الإنساني للأشخاص المهاجرين، الذي جعل من الموضوع مركز اهتمام وأولويات برامج المنظمات الدولية التي تعمل في مجال المساعدات الإنسانية.

ومن هذا المنطلق سنتطرق  إلى المنظمات الدولية التي تعمل على مساعدة الأشخاص المهاجرين في الجانب الإنساني، و التحديات التي تواجهها هذا النوع من المنظمات في تقديم مساعداتها واحتياجاتها الإنسانية لهذا النوع من  الفئات.

ولقد أصبح موضوع الهجرة الدولية يحظى باهتمام بالغ الأهمية ويشكل ثورة كامنة لها تأثير غير محدود في بنية وعمل الأنظمة الحديثة للإدراة الدولية، وكذا على العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين الدول التي تتشكل منها الجماعة الدولية.

وللدراسات والبحوث القانونية المتعلقة بالموضوع  ميزتها الخاصة بها، والتي تتعلق بطبيعة هذا الموضوع الذي يعد مجالا خصبا، إضافة إلى أنه ثمة العديد من المنظمات والهيآت التي تعنى بهذا المجال .

ونلاحظ اليوم أن المجتمع الدولي يولي اهتماما كبيرا بما تقدمه المنظمات الدولية في المجال الإنساني والأنشطة التي تقوم بها لمساعدات بعض الفئات لتخطي الأزمات والعراقيل التي تواجهها، ومن أهم هذه الفئات فئة المهاجرين التي أصبحت مشكلة ﺫﺍﺕ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﻜﺒﻴﺭﺓ تستدعي ﺃﻥ يكون لها مجالا كبيرا ﻓﻲ البحث عن حلول لها، لكونها تمس دولا ﻋﺩﻴﺩﺓ في العالم ﻭ خاصة ﻓﻲ بلدان العالم العربي، لأن ﻫﺫﻩ الدول تشكل مجموعة ﺇﻗﻠﻴﻤﻴﺔ كبيرة منها ﻭﻋﺒﺭ ﺃﺭﺍﻀﻴﻬﺎ ﻭشواطئها تنطلق الكثير من الهجرات ﻏﻴﺭ القانونية ﺇلى جنوب ﺃﻭﺭﻭبا ﻭخاﺼﺔ ﺇلى ﺇيطاليا ﻭإسبانيا.

كما أصبحت من إحدى القضايا التي تشغل تفكير المسؤولين في الدول والمنظمات والباحثين المهتمين بدراسات الهجرة، وقد عقدت العديد من المؤتمرات والندوات العلمية التي تناولت الهجرة من حيث أسبابها ﻭنتائجها ﻭأبعادها والآثار المترتبة عليها والسياسات الخاصة بالحد منها وتخفيف الآثار المترتبة عليها.

هناك العديد من المنظمات الدولية التي تلعب دورا كبيرا في تقديم الاحتياجات والأنشطة الإنسانية للأشخاص المهاجرين بسبب الظروف التي تختلف من منطقة إلى أخرى، والأزمات الإنسانية التي يشهدها العالم، وبالرغم من الجهود التي تبذلها العديد من الهيآت والمنظمات، المفوضية السامية لحقوق المهاجرين، الحركات الدولية للصليب والهلال الأحمر، وغيرها من المنظمات سواء الدولية أو الإقليمية التي تشتغل في هذا المجال، ومن بين هذه المنظمات الدولية التي سنسلط الضوء عليها، المنظمة الدولية للهجرة ، اللجنة الدولية للصليب الأحمر …

أنواع المنظمات الإنسانية الدولية:

1-المنظمة الدولية للهجرة:

تم تأسيس هذه المنظمة سنة 1951، و هي منظمة غير حكومية مستقلة عن الأمم المتحدة، لكنها تعمل بتعاون معها ومع باقي المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بالهجرة بكافة أشكالها، اذ تعمل وفق نموذج نظري يشمل أهم العناصر المرتبطة بعملية الهجرة (الهجرة الاضطرارية، تنظيمها، تسهيلها، الهجرة والتنمية…)، بالإضافة إلى أنشطة أخرى تتعلق بقضايا المهاجرين.

وتتمثل أغلب جهود المنظمة الدولية للهجرة في المجال الحقوقي الإنساني في صون حماية حقوق المهاجرين وتعزيزها، بشكل يتماشى مع القانون الدولي، وتهدف إلى احترام جميع الأشخاص المهاجرين سواء النظاميين أو غير النظاميين وصونها، وأيضا مُساعدة الدّول في وضع وتعديل سياساتٍ وتشريعاتٍ خاصّة بالهجرة على نحوٍ يجعلُها متوافقة مع القانون الدّوليّ للهجرة، وذلك بغرض تحقيق إدارة أكثر فاعليّة للهجرة وعلى نحوٍ يتماشى مع مبادئ القانون الدّوليّ.

وإنّ المُنظّمة الدوليّة للهجرة تقوم على قدرٍ من المُساواة بتقديم الخدمات التكميليّة للضحايا الذين تعرّضوا للاتجار والمُهاجرين الضُّعفاء، بما في ذلك من خدماتٍ صحيّةٍ ودعم نفسيّ و كذا الإحالة لتحديد وضع اللاجئ أو المهاجر.

بالإضافة إلى ما سبق تقوم المنظمة الدولية للهجرة  IOM  بتشغيل برامج المُساعدة على العودة الطّوعيّة وإعادة الإدماج  AVRR ، وذلك في البلدان الموجودة في المنطقة، لضمان الحالة الطوعيّة والأمان والإنسانيّة للعودة التي يقوم بها هؤلاء المُهاجرون الضّعفاء وغير النّظاميّون والذين انقطعت بهم السُّبل في مُختلف أنحاء منطقة الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تعرف كثرة هذه الظاهرة.

ونجد أن المُساعدة تخدم على العودة الطوعيّة و إعادة الإدماج بصفتها بديلا عن عمليّات التّرحيل، أكثر إنسانيّة واستدامة وضمن حدودٍ مُحدّدةٍ جدًّا، كما  يُمكن تشغيلُ هذه المُساعدة للحدّ من الاحتجاز الإداري التعسّفي أو غير الضّروريّ أو غير المحدّد زمنيًّا للمُهاجرين غير النّظاميّين، وفي الكثير من البلدان في مُختلف أنحاء المنطقة، تُمنَحُ المنظمة الدوليّة للهجرة  IOM  إمكانيّة وصلاحيّة الوصول إلى المُهاجرين الضُّعفاء أو المُهاجرين الذين انقطعت بهم السّبل وعلقوا في مراكز الاحتجاز الإداريّة، وذلك بغية ضمان أنْ يتمّ البحث والفرز على أساس مواطن الضّعف لديهم، وكذلك تقديم المشورة في نهاية المطاف.

إضافة إلى ذلك تعمل على تعزيز حقوق المهاجرين من خلال برامج المساعدة التقنية التي تقدمها الحكومات لبلورة وتنفيذ سياسات إنسانية متعقلة بالهجرة وبرامج أخرى،

2-اللجنة الدولية للصليب الأحمر:

تهدف الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر في مجال الهجرة فرادى وجماعات مع اتحادها الدولي واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى معالجة الاعتبارات الإنسانية المتعلقة بالمهاجرين المحتاجين طوال رحلتهم.

و تسعى الجمعيات الوطنية إلى توفير المساعدة والحماية لهم، ودعم حقوقهم وكرامتهم وتمكينهم في بحثهم عن الفرص والبحث عن حلول دائمة، فضلاً عن تشجيع الاندماج والتبادل الاجتماعيين بين المهاجرين والمجتمعات المضيفة.

والعمل مع المهاجرين المستضعفين هو من أحد المبادئ الأساسية للجنة وطابعها العالمي، ينجح العديد من المهاجرين في الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة، ولكن هناك آخرون يواجهون صعوبات، وقد يفقدون صلاتهم بأسرهم ومجتمعاتهم، وكثيراً ما يعجزون عن الحصول على الخدمات الصحية والاجتماعية التي تراعي احتياجاتهم الأساسية وكرامتهم إذا خرجوا عن نظم دعمهم التقليدية، وقد يتعرضون للاتجار بالبشر أو للاستغلال الجنسي أو العمل القسري، وقد يحرمون من حريتهم ويحتجزون في إطار الهجرة، وقد يتعرض البعض للاضطهاد إذا عادوا إلى بلدهم الأصلي، وغالباً ما يواجه المهاجرون حواجز ثقافية ولغوية، وتمييزاً واستبعاداً، بل وحتى عنفا، وغالبا ما تكون النساء والأطفال وبالأخص القصر الوحيدين الذين لا يرافقهم-أحد من أشد الفئات عرضة للمخاطر.

ومما سلف بيانه، نجد ان نهج الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر بشأن المهاجرين نهج إنساني بحت، يقوم على الاعتراف بشخصية المهاجر وتطلعاته ويركز على احتياجات المهاجرين ومواطن ضعفهم وإمكانياتهم بغض النظر عن وضعهم القانوني أو نوعهم أو فئتهم، ولتجسيد النطاق الكامل للاعتبارات الإنسانية المرتبطة بالهجرة، تعمدنا أن نقدم وصفا عريضا للمهاجرين.

فالمهاجرون هم الأشخاص الذين يغادرون مناطق إقامتهم المعتادة أو يفرون منها للذهاب إلى أماكن جديدة عادة ما تكون في الخارج – التماساً لتوقعات أفضل وأكثر أمناً. ويمكن أن تكون الهجرة طوعاً أو كرها،ً ولكنها تجمع في معظم الأحيان بين خيارات وقيود متنوعة.

وعليه فإن هذه السياسة تشتمل فئات العمال المهاجرين، والمهاجرين عديمي الجنسية، والمهاجرين الذين تعتبرهم السلطات العامة غير شرعيين، كما تعني هذه السياسة اللاجئين وملتمسي اللجوء، على الرغم من أنهم يفرون خوفاً من الاضطهاد وأنهم يشكلون فئة خاصة بموجب القانون الدولي.

ومن بين المساعدات التي تقدمها، نجد التركيز على احتياجاتهم والاعتراف بحقوقهم، وتقديم  المساعدة والحماية  بغض النظر عن وضعهم القانوني، غير أن درجة تمكن المهاجرين من التمتع بحقوقهم تشكل عاملاً هاماً لتقييم مواطن ضعفهم، وبالعمل معهم لضمان احترام حقوقهم، بما في ذلك الحق في تحديد وضعهم القانوني، و تقديم المساعدة للمهاجرين يسير جنباً إلى جنب مع الجهود الرامية إلى حمايتهم من سوء المعاملة والاستغلال والحرمان من الحقوق، وتسهم الجمعيات الوطنية عبر هذه الجهود في احترام مصلحة المهاجرين وواجب عدم إيذائهم، ولتمكين المهاجرين من تجاوز الانتهاكات والضغوط، ويمكن للجمعيات الوطنية أن تقدم لهم المشورة القانونية، أو أن تحيلهم إلى منظمات أو كيانات مناسبة ومعنية أخرى أو أن تضطلع بالمناصرة الإنسانية بشكل متكتم أو عام.

وإن العودة إلى مكان المنشأ لا تشكل بالضرورة نهاية للهجرة أو حلا لها، فقد يفضل المهاجرون البقاء حيث هم لفترة طويلة أو بشكل دائم.

ولا يمكن للجمعيات الوطنية كما لا يجوز لها أن تقرر الحل الأفضل لهم عندما تقدم للمهاجرين المشورة وتطلعهم على الخيارات المتاحة لهم، وعليها أن تلتزم في كل الأوقات بعدم تحيزها وحيادها واستقلالها.

ويواجه المهاجرون تحديات كثيرة وكبيرة عند عودتهم، لذا يعد التعاون والاتفاق بين الجمعيات الوطنية في بلدان المقصد والعودة أمرا أساسيا لمساعدتهم وحمايتهم.

وعلى ضوء ما سبق نجد أن اللجنة وتكتلاتها تهدف إلى بذل  و ضمان حصول المهاجرين على المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية والدعم القانوني، كما تسعى جاهدة إلى الوصول فعلا ودون شروط إلى كافة المهاجرين بغض النظر عن وضعهم القانوني.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع المعتمدة:

– د.خالد إبراهيم حسن الكردي: “قراءة في سيكولوجية الهجرة غير المشروعة”، ورقة علمية مقدمة في الندوة العلمية بعنوان” الهجرة غير الشرعية: الأبعاد الأمنية والإنسانية” المنعقدة في مدينة سطات بالمغرب خلال الفترة من 4-6/2/2015م ، الموافق 15-1 /4/1436هـ.

– ذ. عاطف بوكمزا: الهجرة بين زاويتي المفهوم والنظرية” مجلة العلوم القانونية، تحت عنوان قضايا الهجرة والمهجرين على ضوء الاتفاقيات الدولية والنصوص الوطنية مع رصد لأهم الاجتهادات القضائية، ع 6 -2017.

–  د. مراد الرايشي: حقوق المهاجرين في القانون الدولي” رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، جامعة محمد الخامس /أكدال- الرباط، السنة الجامعية 2005-2006.

–  التقرير السنوي لعام 2013: “الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” من إصدرات المنظمة الدولية للهجرة، 2014.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

منى دلوح

منى دلوح طالبة باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة عبد المالك السعد -طنجة ، حاصلة على دبلوم الماستر في حقوق الانسان، موازاة مع مساري الدراسي فأنا ناشطة في العديد من الجمعيات منها مركز ليكسوس للدراسات القانونية والسوسيولوجيا، متطوعة بشبكة حقوق الانسان بمعهد بروميثيوس للديقراطية وحقوق الانسان، رائدة بالفضاء المدني... كذلك مشاركة في برامج تدريبية وتكوينية سواء على المستوى الوطني وكذا الدولي من بينها أكاديمية المجتمع المدني، منتدى شباب العالم في مصر، سفراء نوابك...

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق