سياسة وتاريخ

المقاربة الجهوية لملف الهجرة واللجوء بالمغرب: جهة الشرق نموذجا

كفل دستور المملكة المغربية البعد الحقوقي لسياسة الهجرة و اللجوء، حينما شدد على الالتزام بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، ونص على منع كل أشكال التمييز على أساس الجنس أو اللون أو المعتقد أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو أي وضع شخصي كان ومن هذا المنطلق، يجب اعتبار وجود مواطنين من بلدان إفريقية جنوب الصحراء في المغرب، قضية كرامة إنسانية وقضية حق الإنسان في العيش والعمل والاستقرار، ولاسيما حين يفر المواطن مكرهاً من أوضاع الفقر والبطالة والمجاعة والحرب والقمع والاستبداد، تشير المعطيات الرسمية التي قدمتها إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية فـي الامم المتحـدة إلـى أن نسـبة المهاجرين تمثـل حوالـي 3,0 فـي المائـة مـن سـاكنة المغـرب حيث بلـغ عـدد الأجانب المقيمين في المغرب 101200 نسـمة سـنة 2017، وقـد شـكلت النسـاء خلا السـنة نفسـها 49,8 فـي المائـة مـن مجمـوع عـدد المهاجرين، مقابـل 48,6 في المائة عام 2000، وفق معطيات الصنـدوق الوطنـي للضمان الاجتماعي برسم سنة 2017.

وقَّدُر عدد المهاجرين غير النظاميين أو السريين غير المشمولين بالإحصائيات الرسـمية، بحوالي 20000 مهاجر مقيـم بشـكل غيـر قانونـي فـوق التـراب الوطنـي. بالنظـر إلـى طبيعـة الهجـرة السـرية، فمـن الصعـب قيـاس حجمها وإذا كانــت تتــاح فــي بعــض الأحيــان معلومــات حــول توقيف أشخاص موجودين فــي وضعيــة غيــر قانونيـة، إلا أنــه يستعصي توفيـر معطيات إحصائية دقيقـة حـول هـذه الظاهرة كما أن حوالي 66 فـي المائـة تتراوح اعمارهم بين 26 و 35 سنة وأن نسبة 48  في المائة يمتلكون مستوى أعلى من الابتدائي مقابل 16  في المائة مستوى تعليم العالي كما أن القسم الأكبر من المهاجرين القادمين من جنوب الصحراء يعملون في  الاقتصاد الغير مهيكل كباعة متجولين كما يعملون أيضا في قطاع البناء. 

انطلاق من سنة 2013 عرفت السياسة الدولة في مجال الهجرة منعطفا مهما مع التوجهات السامية لجلالة الملك محمد السادس للحكومة من أجل صياغة سياسة للهجرة متعددة الأبعاد، تراعي الجانب الحقوقي و الإنساني والاقتصادي، و ترتكز على المقاربة الإدماجية وقــد جــاءت هــذه التوجيهات إثـر نشــر خلاصات التقرير الــذي أعــده المجلــس الوطنــي لحقــوق الإنســان حــول وضعيــة المهاجرين بالمغــرب، تحــت عنــوان “الجانب و حقــوق الإنســان بالمغرب: من أجل سياسـة جديـدة فـي مجـال اللجوء والهجرة”.

ترتكز الرؤية الملكية على إستراتيجية تتشكل من خمس مقتضيات تكمن في احترام حقوق الإنسان للمهاجرين وتعزيز مكافحة الهجرة السرية وتشجيع الهجرة القانونية وضمان حقوق اللاجئين وطالبي اللجوء، وكدا التسوية الاستثنائية للمهاجرين غير الشرعيين  حيث تم إطلاقها في سنة 2014 وفي نهاية 2016 كان قد بلغ عدد طلبات تسوية الوضعية أزيد من 56000 طلب تم قبول منها ما يفوق 43000 طلب  كما قمت الدولة بإحداث مديرية للهجرة ومراقبة الحدود بوزارة الداخلية والمرصد الوطني للهجرة وهذا إلى جانب سن قانون جديد ينص على فرض عقوبة السجن قد تصل إلى 20 سنة لكل من يتورط في ملف التهجير السري.

وفي إطار نظام الحكامة المعتمد لتنفيذ وتتبع تنزيل الإستراتيجية الوطنية والتي تم تنزيلها عبر 11 برنامجا و81 مشروعا حيث تمت مواصلة العمل من خلال التنسيق مع مختلف الشركاء الحكوميين وغير الحكوميين من أجل تمكين أبناء المهاجرين واللاجئين من الحق في التمدرس وكذا وضع إجراءات عملية لإدماجهم في مؤسسات التعليم النظامي وغير النظامي كما تمت مواصلة العمل على تمكين المهاجرين واللاجئين وأفراد أسرهم من الولوج للخدمات الصحية على قدم المساواة بنظرائهم المغاربة وضمان استفادتهم من الرعاية الصحية الأولية وفي الحالات الاستعجالية وإعداد البرنامج الوطني الخاص بالنهوض بصحة المهاجرين 2019-2025، الذي يتضمن تقديم خدمات علاجية، التشخيص والتكفل بالأمراض الوبائية مجانا لفائدة المهاجرين.

كما أنه تم الشروع في تنفيذ القانون رقم 14-27 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر من خلال اعتماد المرسوم رقم 2.17.740 يتعلق بتحديد تأليف اللجنة الوطنية لتنسيق إجراءات مكافحة الاتجار بالبشر والوقاية منه والتي شرعت في عملها منذ سنة 2019، كما تم استكمال جميع الإجراءات المتعلقة بالمصادقة على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 97 بشأن العمال المهاجرين، وكذا الشروع في تنفيذ مسطرة المصادقة على الاتفاقية رقم 118 بشأن المساواة في المعاملة .

على مستوى جهة الشرق تشهد حركات هجرة دولية متعددة، من جهة هناك الهجرة من الضفة الشمالية للبحر المتوسط ومن جهة ثانية هناك الهجرة من الجنوب خاصة بلدان إفريقيا جنوب الصحراء وسوريا حيث كان الناظور أول مدينة تجذب المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء بفضل قربها من السواحل الاسبانية وكذا لوجود مليلية المغرية للمهاجرين الراغبين في الوصول إلى أوروبا.

ما زالت سياسات الهجرة الجهوية حديثة العهد وغير محددة بشكل واضح بعد، وخاصة مع غياب التمويل وتحديد الاختصاصات مما يصعب العمل خاصة الجهات المعنية التي تواجه يوميا المسائل المتنوعة المتعلقة بادارة الهجرة، غير ان جهة الشرق تميزت بفضل المقاربة المتعددة الأبعاد التي انتهجتها في معالجة الهجرة على المستوى الجهوي ويعود ذلك  الى وعي متزايد لدى المسؤولين المنتخبين المحليين لضرورة التعامل مع ادارة الهجرة على أنها  محور من الحوكمة الحضرية في الجهة.

احتضن مقر مجلس جهة الشرق، يوم الجمعة 24 يناير 2020 اجتماعا لمناقشة وتدارس سبل تنزيل الاستراتيجية الوطنية للتنسيق الترابي للهجرة واللجوء حيث كان الهدف الرئيسي من الاجتماع هو تنفيذ وتنزيل الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء على المستوى الجهوي، بمصاحبة مجموعة من الفاعلين على صعيد الجهة عبر إدماج اللاجئين في المجتمع وتمكينهم من الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية وكذا المتعلقة بإدماجهم في سوق الشغل، وتوفير السكن، كما قامت الجهة  بتشجيع المنظمات غير الحكومية التي تعمل في مجال الوساطة الاجتماعية في الأحياء التي يرتكز فيها المهاجرين هذا إلى جانب تشجيع كافة أشكال التعبير و تقدير التراث الثقافي والفني للمهاجرين عبر تنظيم لقاءات واحتفالات متنوعة.

وفي الختام نؤكد أنه من الصعب تحديد عدد المهاجرين المتدفقين على الجهة الشرق ويمكن ملاحظتهم بسهولة في مجموعة من الأقاليم خاصة الناظور فا المهجرين من جنوب الصحراء أساس  يعانون حرمانا اجتماعيا و اقتصاديا ويجتمعون على ضواحي المدن والجبال مثل بغابة كوروكو بإقليم الناظور في حين أن المهاجرين من الشمال و خاصة أوروبا فيتمتعون عادة بظروف معيشية جيدة وعادة ما يتم الخلط بينهم و السياح كما أن توطيد التعاون مع قطاع الجمعيات يساهم في ترسيخ روح الحيوية مما يتيح إعادة تفعيل أفضل لسياسة الهجرة الوطنية وهنا يمكن للجهوية أن تؤدي دورا مركزيا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى