مدونات

المفهوم الاقتصادي للدولة

تلعب الدولة دورًا اقتصاديًا جوهريًا، عن طريق القواعد القانونية التي تُفرض على الجميع، وسياستها النقدية والمالية، وإعادة توزيع الدخل والحماية الاجتماعية، والدفاع عن المصلحة العامة، والأخد بعين الاعتبار المدى الطويل في قراراتها الاقتصادية الكبرى المنطوية على مستقبل الأمة.

للدولة سلطة اقتصادية بخصائص عامة، فتفرض قراراتها على مجموع أعضاء أمة في نطاق جغرافي محدد، وعلى الرغم من أنه أحياناً يقال أن الدولة الوطنية فقدت نصيبًا كبيرًا من طرق عملها في الاقتصاد، إلا أن وسائل تدخلها لا زالت متعددة، وهي:

1- الشكل العام والمتعارف عليه لتدخل الدولة في الاقتصاد يتعلق بتحديد الإطار التشريعي لنشاط فاعليها أو الوكلاء، وتحديد أحكام ونصوص القانون المدني كحق الملكية وحقوق التركة، والقانون التجاري، وقانون الشركات، وقانون العمل، وتقنين وتنظيم الاتفاقيات الجماعية، وفرض التمويل الاجتماعي لبعض المخاطر، كمرضٍ، أو حادث سير، أو بطالة، أو شيخوخة، عن طريق الاكتتابات المفروضة، وفرض معايير الجودة للمنتجات، أو توريد بعض الخدمات.. إلخ.

2- واحد من أقدم السلطات التي اقترنت بالدولة هي سلطة “صك النقود”، أي صنع النقود المعدنية وفرض تداولها، ولا أحد يستطيع رفضها في تأدية بيع البضائع، والمسؤولون السياسيون أخذوا بعض المبادرات لإنشاء بنوك وطنية كبرى، كإنشاء بنك إنجلترا سنة 1694، وبنك فرنسا سنة 1800، من أجلب مواريد التمويل، لعبت هذه المؤسسات البنكية في القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين دورًا هامًا ومحوريًا في السياسة النقدية للدول، باحتكارها لطبع الأوراق والقطع المعدنية، وكذلك مراقبة تسليم  القروض بواسطة البنوك “التي تسمى بنوك الدرجة الثانية”.

إن الدولة بمقدورها نهج سياسةٍ نقديةٍ توسعيةٍ أحيانًا “كالرفع من الكتلة النقدية من أجل إنعاش النشاط والنمو الاقتصادي”، وتقشفية أحيانًا “كتقليص الكتلة النقدية عندما يصبح التضخم جد مرتفع”.

  1. مند نهاية الثمانينات، تغيرت السياسة النقدية للدول لعدة أسباب: تطور التقنيات التي سمحت بتحويل شبه لحظي لمبالغ مالية جد مهمة، تطور الأسواق المالية للأسهم والسندات التي قلصت دور القروض البنكية في التمويل، وبالتالي وسائل مراقبة الدول، التوجه الليبرالي للدول التي تراجعت عن السياسات النقدية النشيطة “مثال: اتفاقية ماستريخت التي فرضت استقلال البنوك المركزية عن السلطة السياسية.
  2. من أجل التدخل في الاقتصاد الدول العصرية، تتوفر وسيلة أخرى تتمثل في في الاقتطاعات الجبائية، والتي تسمح بتدفق منتظم للنفقات العمومية إلى حدود القرن العشرين، أهم مواريد الدولة كانت تأتي من الضرائب أو المكوس غير المباشرة التي تفرض على الاستهلاك، كضريبة الملح القديمة، والضرائب المختلفة التي تفرض على المنتجات المستهلكة المتداولة، وحقوق الجمارك على الواردات، إلى جانب هذا أضيفت ضريبة على الدخل، والتي بدأ العمل بها في فرنسا سنة 1914، ثم تلتها اقتطاعات أخرى، و التي ظهرت بالموازاة مع تطور الحماية الاجتماعية، كاكتتابات صندوق التأمين على المرض، والتعويضات على التقاعد والبطالة.
  3. تؤثر السياسة المالية للدولة على الاقتصاد، بإعادة توزيع دخل الطبقة الجد الميسورة -المفروضة بقوة- على الفقراء التي تستفيد من حصص وإعانات -مجانيات بعض الخدمات في فرنسا مثلا-، ويؤدي هذا إلى تغيير التنويع الماكرو اقتصادي بين الاستهلاك والتوفير والاستثمار؛ فالضريبة تمثل نوع من التوفير المفروض، في حين أن المستفدين من إعادة توزيع الدخل هم موجهون للاستهلاك، وهذا يمكن الدولة من تمويل استثمارات البنية التحتية، أو البحث العلمي الذي لا يمكن أن يحصل بدونه، ختامًا فالدولة بنفاقتها التي تفوق دخلها -كما هو الشأن بالنسبة للدول الصناعية الكبرى منذ 1970- تساهم في تنشيط الاقتصاد.

النظريات الاقتصادية للدولة

يمكننا التمييز بين ثلاث نظريات لدور الدولة، الاقتصاد التحرري، الكينزية، والماركسية.

1. النظرية التحررية الاقتصادية، أو نظرية جون بابتيست ساي: تعتبر بأن تدخل الدولة يعرقل آليات التنظيم الذاتي لاقتصاد السوق، فبسن الضرائب، تكون الدولة قد ساهمت في إفشال الفاعلين المنتجين، وتفقدهم جزء من دخل مساهماتهم التلقائية، وبالتالي لا يستطيع الأفراد تجديد اختياراتهم الحقيقية بواسطة الاستهلاك، بالإضافة إلى أن هذه المبالغ المقتطعة تستعمل بطريقة سيئة من طرف الدولة؛ لأنها تستعمل في تمويل أنشطة قليلة النفع، فقط من أجل الشهرة، أو لصيانة مقاولات غير منتجة، والمقاولات العمومية خارج المنافسة الحرة لأنها تستفيد من إعانة الدولة عندما تواجه صعوبات، فالدولة تنفق أكثر من مواردها الضرائبية، وتسدد هذا العجز بسك النقود -مصدر التضخم-، أو تلجأ إلى القرض من العموم، أي على حساب المقاولات الخاصة التي تعاني من صعوبات “effet d’éviction” أو ما يسمى ” بتأثير نزع اليد”

التحرريون الارتودوكسيون “مثل جون بابتيست” سيتحدثون عن الدولة شبه المؤثرة  “Etat minimal” التي يقتصر دورها على دور الشرطة والعدالة، وآخرون مثل “leon Walras” في نظرهم أن الدولة لها دور حارس للمنافسة الحرة الدولي الدركي “Etat-gendarme”، ولكنهم يعتبرون أن الدولة أيضًا يمكنها أن تتدخل عندما يحدث خلل في المنافسة، كفي حالة الثروات المعدنية الطبيعية، أو المصالح العمومية، مثل الدفاع الوطني، والتي لايمكن تقييمها في السوق؛ لأنه يستفاد منها بطريقة جماعية.

أثرت هذه النظرة لدور الدولة في عدد كبير من السياسات المتبعة في أغلب الدول منذ منتصف السبعينات، بهدف تقليص القطاع العام، كالخصخصة في فرنسا، وإنجلترا، وفي عدد كبير من دول العالم الثالث، وتخفيض العبء الجبائي للولايات المتحدة الأمريكية، والدين العمومي للاتحاد الأوروبي النقدي، والسماح بحرية للتنقل.

2. نظرية جون مينار كينز J.M.Keynes: في نظر المنظر كينز وتلاميذه، يجب أن تحقق الدولة التوظيف الكامل لليد العاملة “Le plein-emploi”، والذي ليس إلا ثمرة الحظ في الاقتصاديات الرأسمالية، حيث لا توجد هناك أي آلية تقودنا بالضبط لتحقيقه، فكل شئ يرتبط باستباقات وتوقعات الربح التي يقوم بها أرباب المقاولات، والتي لا تدفعهم للرفع من عدد العمال، ويجب عليهم في هذا الموقف أن يتم مساندة الطلب بالرفع من النفقات العمومية من السيولة النقدية، من أجل تحسين توقعات الربح للمقاولين، وتشجيعهم على تحسين الإنتاج، وإلا فسيواجه الاقتصاد خطر ضعف النمو والبطالة اللاإرادية.

3. الماركسية: يجسد ماركس والمركسيون دور الدولة في إطار تاريخي جدلي، فبالنسبة لماركس، كل مرحلة من تاريخ الدولة تمثل الطبقة المسيطرة، ففي المجتمع الرأسمالي، القواعد القانونية التي تحددها الدولة البورجوازية، والوسائل الزجرية التي تتوفر عليها، تسمح للمالكين لوسائل الإنتاج باستغلال العمال أو البروليتاريا، وأخد القرارات الاقتصادية الجد مناسبة للرفع من أرباحها.

الماركسيون الجدد وسعوا هذا التحليل، وربطوا تطور دور الدولة بتطور الرأسمالية؛ إذ استطاع هذا الدور تجاوز أزماتها -وإن لم تعرف الانفجار الثوري-، وهذا راجع حسب رأيهم لأن الدولة فرضت حدود على استغلال الطبقة العاملة، باعطائها الحقوق النقابية بتقليصها لمدة العمل، وتنظيم شروط العمل بفرضها الحق الأدنى للأجور، أيضًا لأن الدولة أخذت على عاتقها مجموعة من النفقات، كالبنية التحتية، والتربية، البحث الأساسي، والتي قلصت من تكاليف المقاولات، ورفعت من منافذ أسواقهم، وبالتالي فإن الدول نهجت سياسات للحماية، والتي سمحت للمقاولات بمقاومة ومواجهة المنافسة الخارجية، أو التي ساعدتها لغزو أسواق جديدة

مترجم بتصرف من النص الأصلي:

,Etat, Dictionnaire de l’économie de A à Z ,Pierre Bezbakh et Sophie Gherardié dition France loisirs,2001,p 253

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

حمزة خليف

ذ حمزة خليف باحث وكاتب منذ ٢٠١٦ ، مغربي من مواليد ١٩٧٧،له عدة مؤلفات لم تنشر بعد بصفة رسمية من بينها : .مقالات ومنشورات( بالعربية والفرنسية )؛ لغة الكلام ؛ معطفي قال لي ؛ عبد الملك بن مروان (في طور الإنجاز )
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق