سياسة وتاريخ

“المغرب” بعد فيروس كورونا

علينا أن نحرص ونتكيف مع العدو الغير المرئي؛ لأن الأزمات الوبائية متكررة جدًا في عالم الإنسان، والملاحظ أن غالبًا ما يحدث التطور البشري فقط في الأزمات، شهدت بالفعل العديد من الأوبئة أحداث ثورات ثقافية وأجبر المواطنين على التكيف مع الوباء، فتقدم المجتمع بعد نهايتها، فمع كل وباء أو كارثة طبيعية، كان هناك تغيير ثقافي.

بعد الصدمة، نحن مضطرون لاكتشاف قواعد جديدة وطرق جديدة للعيش معاً، وبعد هذه الأزمة، ستصبح كل التنظيمات ملاذات السلام مرة أخرى (الأسرة – الشغل – التعليم – الصحة – الزراعة – الصيد.. إلخ).

من المسلم به أن الإنسان كائن تعاقدي ومعرفي بامتياز، مما جعله يتمتع بكفاءات عالية الجودة والمردودية، فلا يمكن أن نتصور نمو وتطور الفرد، دون تواجده داخل النسق الجماعي الذي يمكنه من العمل على اكتساب التجارب والخبرات والمعلومات وكل الكفاءات المعرفية المترجمة بتحمل المسؤولية، سواء تموقع الفرد داخل المؤسسة الأسرية أو الأقسام الدراسية– الشغل…إلخ.

لذا وجب علينا التكيف مع الوباء في النواة الأولى للمؤسسة الأسريةّ، باعتبارها الممثلة الأولى للثقافة، وأقوى الجماعات في سلوك الفرد، وللأسرة وظيفة اجتماعية بالغة الأهمية، ففي المدرسة الاجتماعية الأولى للطفل، وهي العمل الأول في سبغ سلوك الطفل بالصبغة الاجتماعية، وهي التي تقوم بالتنشئة، وتشرف على النمو السليم للطفل، وتكوين شخصيته، وتوجيه سلوكه، والمهارات المهنية، لتحسن مستوى الأسرة الاقتصادي والاجتماعي، تتميز هذه الأسرة بقيامها مند بداية تأسيسها على روابط عاطفية تحقق التماسك بين أعضاء هذه الأسرة جميعهم.

رؤية معرفية للحجر الصحي

 هذا هو التحليل الداخلي الذي يجب أن نهدف إليه.

القراءة والطبخ سيصبحون أكثر أهمية، بينما في السابق كنا نتناول الطعام الصناعي في المنازل وأثناء التنقل، بينما اليوم لن نستغل الوقت فقط في سماع الراديو ومشاهدة التلفاز، بل سنتكيف مع الحجر الصحي، أمام مؤسسة متميزة في نوعية بنيتها وروابطها ومقاصدها، ومتميزة بالتالي في دينامية علاقاتها وتفاعلاتها، وتبدلاتها الحميمية، وبأنها لا يمكنها أن تنتظم وتستقر من خلال أليات الصراع والمواجهة والحيطة والحذر المتابدل، وسوف نتذكر ونجد حينها قيم أجدادنا.

عندما ينتهي الوباء، سنرى أننا تخلصنا من القيم القديمة التي ستساعدنا على تطوير طريقة جديدة للعيش معًا.

وأقول لهؤلاء الذين يشعرون بالقلق بشأن عملهم وأسرهم وأطفالهم، إنه يجب علينا أن نقلق من أجل اتخاذ تدابير وقائية، إذا احترمناها، سينخفض ​​القلق، من خلال التكيف مع الحجر الصحي، سيكون هناك أسباب أقل بكثير للقلق، إننا اليوم أمام واقع يطرح نفسه على مستوى التفكير الإيجابي والملائم للمجتمع، ومدى تجاوز الصعوبات هذا الوباء المواجه أمامه؛ تفادياً لسيكولوجية تتسم بالقلق من المستقبل وضبابية الهدف.

لم يغلق المغرب لأول مرة حدوده لأسباب صحية، فبين عامي 1582 و1584 “ألبرت كامو – “الطاعون: إصدارات جاليمار، يونيو 1947″: ضرب طاعون مميت كلًا من إسبانيا والجزائر، لتجنب العدوى أمر السلطان أحمد المنصور بإغلاق حدود الإيالة الشريفة وحظر أي اتصال بالأجانب، بفضل هذا الإجراء الاحترازي غير المسبوق، تفادى المغرب كارثة محققة، حيث مات الكثير من الناس لدرجة أن مستوى معيشة الناجين ارتفع، وفي الواقع، ساهم ذلك في خلق المزيد من فرص العمل، وتنامي الحراك الاجتماعي، ووقف الحروب لفترة قصيرة.

وفي العصور الوسطى بين عامي 1347 و1352 (الطاعون الأسود)، لم يكونوا على دراية بأهمية (الحجر الصحي)، ففر الأشخاص المصابون بالوباء في أوروبا، بعد عامين من وباء الطاعون عام 1348، اختفى واحد من كل اثنين من الأوروبيين.

عندما توقف الوباء، تغيرت القيم الاجتماعية تمامًا، لقد اكتشفوا فنون المنزل من طبخ وتصميم وتنظيم وتواصل أسري.. إلخ، على أساس كان الفن في السابق دينياً بشكل أساسي، وأصبح بعد ذلك مسألة تخص الفرد والمجتمع والمؤسسات بمرجعية البحث للتطوير جودة الحياة الأسرية والبشرية…إلخ.

وفي النهاية نتذكر أيضاً علاقات الإنتاج التي تغيرت تمامًا بعد الوباء، استقرت رواتبهم على مستوى الدخل، وأصبحوا يعملون بشكل جيد، لقد حدث تحول في علاقات الإنتاج والتسلسل الهرمي للقيم بالكامل، فساعد هذا الوباء الأوروبيين على استعمار وتطوير المناطق التي تم إخلاؤها.

إذن ماذا سيتغير في المجتمع المغربي بعد كورونا؟ كيف سيكون قادرًا على مواجهة الصراعات المتعددة وجائحة اليوم COVID-19 والمناخ غدًا؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Hakim Achak

عشاق عبدالحكيم، متخصص في مجال علم النفس الاجتماعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى