سياسة و تاريخ

المغرب.. أول دولة تعترف باستقلال أمريكا وعلاقات تاريخية بين البلدين

كثيرًا ما نتحدث عن الولايات المتحدة الأمريكية كقوةٍ اقتصاديةٍ وسياسيةٍ وصناعيةٍ كبرى بالعالم، هذه القوة جعلتها تتحكم في مصير العالم وفي مقدراته، وفرضت على ساسة الدول رسم خارطةٍ جديدةٍ لهذا الكون بعد نهاية الحرب الباردة، وسيطرة نظام القطبية الواحدة، الأمر الذي دفع إدارة البيت الأبيض وفي ضرب سافر لكل المواثيق والأعراف الدولية، إلى اتخاذ العديد من القرارات التي جرت على دول العالم حروبًا كبيرة، لم تنته إلى اليوم، والتي تركزت معظمها في العالم العربي والشرق الأوسط.

لكنها لم تنهج سياسة القوة العسكرية و التجارية والسياسية لوحدها مع هذا العالم المتهالك، بل لجأت أيضًا إلى التحالفات الإستراتيجية، وربط علاقات قوية مع دول عربية عديدة، لعل من أبرزها المغرب والمملكة العربية السعودية، ثم قطر والإمارات العربية المتحدة.

إن جذور العلاقات المغربية الأمريكية ليست وليدة اليوم، ولم تكن مبنيةً على مصالحٍ اقتصادية، أو غيرها كالتي توجد بين الولايات ودول الخليج العربي، فهذه العلاقة بين البلدين ترجع تاريخيًا إلى فترةٍ طويلةٍ لم تكن فيها الولايات المتحدة الأمريكية قوةً، ولم يكن معترفًا بها كدولة، بل كانت مجرد مستعمرةٍ لدول الإمبريالية العالمية، فكانت تتقاسم الهم نفسه مع المغرب وباقي الدول التي كانت تحت رحمة دول أوروبا والغزو الإمبريالي.

فكانت بلاد العم سام تبحث لها عن اعترافٍ دوليٍ يجعل منها دولةً ذات سيادةٍ واستقلالية، فكانت المملكة المغربية سباقةً إلى الاعتراف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية خلال القرن الثامن عشر سنة 1777، حيث أصدرت الدولة المغربية العريقة، حينما أقدم محمد الثالث سلطان المغرب على خطوةٍ غير مسبوقة، عندما أصدر وثيقةً رسميةً من مدينة مكناس، تنص على السماح لمجموعةٍ من الدول بممارسة نشاطاتها التجارية مع المملكة، والتي كانت من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، ما شكل اعترافاً صريحاً من قبل السلطان المغربي بهذه الدولة الجديدة التي تبحث لنفسها عن موطئ قدم بالعالم.

المبادرة المغربية اعتبرت الأولى من نوعها، وشكلت شجاعةً قويةً لموقفٍ لم تقدر أي دولةٍ أخرى على فعله؛ فالاعتراف بسيادة أمريكا واستقلالها يعني بدايةً لعهدٍ جديد للولايات المتحدة من أجل الانفتاح على باقي الدول والبلدان الأخرى، وهذا ما كانت تبحث عنه دولةٌ جديدةٌ خرجت من رحم معاناة الغزو الإستعماري.

السلطان لم يكتفِ بالوثيقة التي أصدرها بمكناس، بل تعدى ذلك إلى تعيين “إتيان دو ديبير كاي” كقنصلٍ للولايات المتحدة الأمريكية بالمغرب، بالرغم من كونه فرنسيًا في سلا، هذا القنصل الفرنسي سيتكلف بمهمة تقوية العلاقات المغربية الأمريكية، ففي شتنبر من العام 1779، عمل هذا المقيم وبتعليمات من سلطان المغرب، بمراسلة الكونغرس الأمريكي عبر بنيامين فرانكلين، يخبر الأمريكيين بتعيينه قنصلاً لهم في المغرب، وفتح الباب أمام ولادة علاقاتٍ بين دولتين من قارتين مختلفتين.

لكن المغاربة كانت لهم إرادةٌ قويةٌ من أجل إنجاح هذه العلاقة التي عرفت بعض البطء من الجانب الأمريكي؛ وذلك بسبب ما كانت تعرفه الولايات المتحدة الأمريكية من صراعاتٍ داخليةٍ، ما جعل هذه العلاقة تدخل منعرجًا خطيرًا، حينما أقدم المغرب على إجراءاتٍ صارمةٍ ضد سفن أمريكا، التي تمارس الملاحة البحرية دون أداء الواجبات التي تفرضها الاتفاقيات على باقي الدول.

فقام الجانب المغربي سنة 1784، بحجز سفينةٍ أمريكيةٍ كبيرةٍ كوسيلةٍ للضغط على الولايات من أجل إنجاح هذه العلاقة، وتوقيع إتفاقيتها مع المملكة المغربية، لكن انفراجةً ستظهر من جديد بين البلدين بعد هذا الحادث، حينما اتخذ السلطان المغربي سيدي محمد بن عبد الله قرارًا من أجل التقرب من أمريكا، بعدما قام بالإفراج عن تسعة أسرى أمريكيين تم أسرهم مع سفنهم من طرف البحارة المغاربة، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة سنة 1786م، إلى طلب أمر التوقيع على معاهدة الصداقة بين البلدين، والذي مايزال ساري المفعول إلى اليوم بين الدولتين، وتطور ليصبح تحالفًا على جميع المستويات، وخاصةً في المجال الاقتصادي والعسكري.

هذه العلاقة بين البلدين عادةً ما تظهر في كل ولايةٍ جديدةٍ يتولاها أحد الرؤساء الجدد، فركز الرئيس الأسبق للولايات المتحدة باراك أوباما في حديثه قبل سنوات على ضرورة تطوير هذه العلاقة والإبقاء عليها؛ لأنها علاقاتٌ تاريخيةٌ “المغرب كان أول دولةٍ اعترفت باستقلال بلادي” وأضاف الرئيس الأمريكي، في أول خطاب له يوجهه إلى العالم العربي والإسلامي، أن المغرب كان أول بلدٍ اعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، وقال الرئيس أوباما، الذي كان يخاطب في 4 يونيو 2009 العالم العربي والإسلامي من جامعة القاهرة، إن “المغرب كان أول دولةٍ اعترفت باستقلال بلادي”.

وبالعودة إلى تاريخ العلاقات بين البلدين، نجد أن الرئيس الأمريكي الشهير ثيودور روزفلت، كان داعمًا أساسيًا للمغرب من أجل التخلص من الاستعمار الفرنسي، حينما رفض الاعتراف بالحماية الفرنسية على المغرب، ولم يكن هذا الدعم الأمريكي للمغرب من فراغ؛ لأن الولايات كانت تسعى إلى المحافظة على الامتيازات التي منحت لها على المستوى البحري بموجب معاهدة عام 1836م الموقعة بين البلدين.

وبعد دخول الولايات إلى الحرب العالمية وتحول مطالب المغاربة من الإصلاح إلى الاستقلال عن فرنسا، عادت الولايات لتظهر من جديد من خلال إقامة مؤتمر آنفا بالدار البيضاء سنة 1943م، والذي جمع الرئيس فرانكلين روزفلت والوزير الأول البريطاني تشرشل والجنرال الفرنسي هنري جيرو وجلالة المغفور له محمد الخامس، وتم من خلاله تدارس الأوضاع الراهنة التي يمر بها العالم عامةً والمغرب على وجه الخصوص، وتأكد الدعم الأمريكي للمغرب من خلال الإعلان عن دعمها للمغرب من أجل الاستقلال سنة1953، حيث أعلنت الولايات المتحدة رسميًا في مؤتمر الأمم المتحدة دعوتها إلى استقلال المغرب “ما نريده هنا، هو الإعراب عن الأمل في أن تتجه كل من فرنسا والمغرب نحو تحقيق تطلعات الشعب المغربي”، هذا الدعم الأمريكي نتج عنه وإلى جانب العديد من الظروف الأخرى والنضال من أجل تصفية الاستعمار، حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956م.

الهوامش:

ميغل هيرناندو دي لارامندي، “السياسة الخارجية للمغرب” ترجمة عبد العالي بروكي، ط 2005، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق