ثقافة وفنون

المغامرة الواعية التي تتجاوز فرديتنا

المغامرة الواعية التي تتجاوز فرديتنا .. “بالموت نشارك نحن في التراجيديا الكونية، وبالولادة نشارك في المغامرة البيولوجية، وبوجودنا نشارك نحن في مصير البشرية”.
هذا النص مقتبس عن أحد أعمال المفكر الفرنسي إدجار موران (النهج: إنسانية البشرية)، وهو يحمل في طياته الوعي الإنساني الشمولي الذي صاغ كلماته. إن كل فرد في هذا الكون هو حالة إنسانية مهمة في قلب الوجود، فالإنسان هو مستقر الوعي.
هذا الوعي الذي كان انبثاقه ضروريًا لفهم الكون. فلا يمكن فهم الشيء إلا بالنظر الموضوعي له، وهكذا نؤسس لبعدنا عنه دون انفصال. وبقدر فهمنا للكون، نحن نشعر بالاغتراب والفراغ، ويظل ذاك الحنين الحميم يشتعل في داخلنا. لقد قال عالم الفلك الأمريكي الراحل كارل ساغان في كتاب (الكون): “تأملنا في الكون يذهلنا. هناك قشعريرة في النخاع، خشوع بالصوت، وإحساس بالدوار كأنه ذكرى قديمة عن السقوط من ارتفاع شاهق.. ثمة جزء من كياننا يدرك أننا جئنا من هذا المكان ونحن نشتاق إلى العودة”.
المغامرة الواعية التي تتجاوز فرديتنا .. نحن حرفيًا أبناء هذا الكون، بوصفنا أجسادًا مصنوعة من الغبار الكوني، وأبناء هذه الحياة، بوصفنا حيوانات بيولوجية. ولكن السمة التي تعكس وتكرس ظهورنا البيولوجي والثقافي، هي العوالم الرمزية والمتخيلة، المنفصلة عن العالم الفيزيائي الملموس. فنحن إذا كائنات فيزيائية وبيولوجية وثقافية وميتافيزيائية (أي تحمل مكونات أسطورية في عقولها تخلق شخصية لها فيها).. كل هذه الهويات نحمل بذورها في عقولنا المعقدة، ونظل نشعر بشرخ عظيم، لأن الحضارة الحديثة قنعت هويتنا وجردت الكلمات ذات البعد الشخصي الحميم فينا من محتواها، مانحة إياها سبغة اجتماعية أو سياسية أو غيره باستثناء معناها الإنساني.
المغامرة الواعية التي تتجاوز فرديتنا .. قبل العلم الحديث، كانت حياة الإنسان توجهها الحكايات والأساطير التي تعج بالسحر والآلهة ذات شكل حيواني، وتغلب على هذه القصص أنسنة الطبيعة والحيوانات. وقد ساهم تحرير العقل من الخرافة بواسطة العلم الحديث في تداعي هذه النظرة، لكن رافق ذلك إعلاء من شأن الآلة والمادة وازدراء لقيمة الإنسان ومكانته المزعومة.
سوف نظل نكابد فقدانا للتوازن النفسي والعاطفي وفراغًا روحيًا ما لم نقل “لا” في عالم منغمس بماديته ومفاهيمه المقنعة والمنغلقة. هذه الـ”لا” المتمردة تنطوي على الانفتاح على الوجود والمغامرة فيه أيا كانت التبعات، بإستيعاب أننا نسهم بتجربتنا الانسانية والفكرية في الحوارية بين الشواش والنظام، وأننا ننتمي إلى عالم الحيوانات، فهي بدورها مصدر غنى لنظام حيوي وبيئة حيوية نحن جزء منها وليست مسخرة لنا.
بالإضافة إلى التفتح على الثقافات المتنوعة التي خلقها الوعي البشري، من دون الانغلاق على مفاهيم بعينها، وهكذا سوف يتسنى لنا أن نعيش حياة ثرية متعددة الأوجه.
وهذا توجه لا يدعو لإعادة إحياء الخرافات أو القصص الدينية كرؤى وموقف من العالم، بل هو في أحد جوانبه تأكيد على الدور الإيجابي الذي يمكن للفن والأدب، والاستيعاب الجمالي لمظاهر الوجود أن يتبوأه في حياتنا ويثريها.

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى