مدونات

المعدة.. “وحش” يكمن بداخلنا ولأجلها قامت الحروب

إن تاريخ الإنسان ليس سوى بحث عن الطعام، بل إنه تاريخ الحياة، ولحسن الطالع أن المجتمع البشري بتعقيداته ونظمه الكابحة للغرائز لا يضع كثيرًا من القيود على معدة الإنسان كما يفعل مع الجنس.

قرأت عن فيلسوف شرقي كان مستاءً من امتلاك الإنسان لفم ومعدة، واعتبر هذين العضوين السبب الرئيسي لنزاعاتنا وصراعاتنا وقوانيننا القاسية ومشاكلنا الكبرى.. ولم يستطع منع نفسه من عتاب الخالق بأنه كان بإمكانه خلقنا بصورة أمثل، كالأسماك التي يؤمن الماء غذاءها والصراصير التي تقتات الندى، حسب تعبيره!

هو يقول أن معدة الإنسان صممت مجوفة كالوادي يتسع لكل شيء!

وبصرف النظر عن حسرة هذا الفيلسوف، فإن الطبيعة تسير باتجاه واحد ولا تعود إلى الوراء، ونحن نطلق على عملياتها هذا صفة “لا عكوسة”؛ لذا فعلينا التعامل مع هذه الحقيقة: إن لنا أنفًا وأمعاء ومعدة إلخ..

لم يكن لهذا الفيلسوف أن يكون فيلسوفًا لو كان جائعًا، وما من شاعر يستطيع نظم قصائده إلا بعد أن يأكل ولا الدبلوماسي يجري مؤتمرًا بمعدة تقرقر. ومجتمعنا مجتمع عامل، وهو يعمل لكسب لقمة العيش. إن أحدنا لن يذهب إلى الوظيفة إن لم يكن سيجد في بيته غداء ينتظره، وحتى رئيس البلاد سيتخلى عن منصبه في حال لم يكن كرسي الرئاسة مصدرًا للشبع!

وإن كان الإنسان حيوانًا اجتماعيًا وسياسيًا، وفيلسوفًا وحيوانًا متدينًا، فإنه كذلك حيوان طباخ! وإنني شخصيًا أستطيع القول بثقة أني أعرف أكثر من مئة شخص عاشوا دون جنس، لكني لم أسمع عن معدة الإنسان ظلت فارغة بلا طعام ليوم واحد إلا إنسانًا مكهرهًا. وإن أصعب أنواع الموت هو الموت جوعًا.

وتحظى هذه الغريزة أكثر من جميع الغرائز بتعبير صريح في المجتمع الإنساني، ونحن نتعاطف مع الجائعين ولا نبدي هذا التعاطف مع المحرومين من الجنس.

معدة الإنسان هي أقصر الطرق إلى قلبه، وثمة مثل دارج يقول “طعمي التم بتستحي العين”. من منا لن يخجل من ذم واغتياب إنسان أقام له وليمة شهية؟ حتى بقية الحيوانات لا تثق بك إلا بعد أن تطعمها بيدك لمرتين أو ثلاثة (باستثناء سلحفاتي التي أطعمتها ألف مرة ولازالت تختبئ مني، لابد أنها تعاني من الزهايمر)، والأطفال يحبون من يطعمهم أكلات طيبة. ويا حبذا لو أن البشر يحلون خلافاتهم حول المآدب والولائم لكنا في حال أفضل..

إن (النودلز) قادرة على توحيد البشر أكثر من الأمم المتحدة، وإن المكرونة قدمت إيطاليا إلى العالم أكثر مما فعل موسوليني أو نادي ميلان أو بافاروتي. لكن بالتأكيد لم نكن لنتخلى عن غرائزنا الوحشية ولهذا أيضاً علاقة بتاريخنا الغذائي.

نحن نعرف اليوم أننا حصيلة تطور طبيعي. والسؤال الكبير الذي يطرح غالبًا من قبل علماء تطور الإنسان: لماذا تطورنا بهذا الشكل المتضخم من الإمكانيات؟

سبق أن قرأت منذ مدة مقالاً في مجلة scientific American يرجع تطور البشر إلى النظام الغذائي بشكل رئيسي. فهل يا ترى كان الفيلسوف المستاء على دراية أنه لولا معدة الإنسان ما كان سيصبح إنسانًا ينطق بفلسفته ويعبر عنها بالكلمات؟ بالتأكيد لو تغير نظامنا الغذائي لتغيرت حضارتنا ككل؛ بالتالي حضارتنا هي مرآة ما نأكل!

فالحيوانات النباتية تكون في العادة وديعة وطيبة وتتسم بالهدوء، أما تلك الآكلة للحم فإنها حذرة ذكية وتتسم بالضراوة، وذلك لأن طبيعة تصميمها تتطلب استجابةً حادةً للمؤثرات في بيئة مليئة بمسببات الخطر يوجهها الصراع. والحيوانات النباتية تكون صراعاتها من أجل التزاوج، بينما تدور صراعات اللواحم من أجل الطعام. فأين نحن من هذا؟ يتميز الإنسان بالتنوع الكبير للنظام الغذائي.

وكون الصيد والافتراس يقع في صلب تطورنا، فإننا نحمل دوافع الطبع المحارب، وهذا ما سماه برتراند راسل “الوحش الذي يكمن بداخلنا”. ولما كانت جميع ثوراتنا وحروبنا من أجل غذائنا، قال نابليون:”إن الجيش يحارب دفاعًا عن معدته”.

من الواجب علينا في ضوء الحقيقة السابقة إعادة النظر بما نأكل وكيف نأكل ومدى تأثيره علينا، فنقلل من اللحوم ما أمكن ونغذي طبائعنا المسالمة، وإننا قادرون على ذلك بفضل المعرفة التي يقدمها العلم لنا، وبالإدراك بأنه ثمة غذاء يكفي للجميع ويغني عن استنزاف البيئة واستعباد معظم سكان الأرض في معامل ومصانع ومراعي الإنتاج، كي تستهلك هذا الجهد المغمس بالعرق والدم بضعة كروش جشعة. لكن الإنسان كان ولا زال يفلسف حتى أكل لحوم البشر!

في الوقت نفسه لا يجب أن نحرم أنفسنا من متعة التعبير عن غريزتنا التي لا تقاوم في حب الطعام والاستمتاع به دون السماح للنظم والآداب الاجتماعية في كبح عواطفنا وعفويتنا، فإن أول ما نعلمه لأطفالنا هو حسن السلوك وآداب الطعام، ونعيب عليهم مد لسانهم والتلفظ، فآداب المائدة تتطلب أن نكون باردين كالإنجليز.

أرى أن هذا خاطئ، ولا ضير من أن نقول إذا شممنا رائحة طبق السبانخ “أوه” وإن تذوقنا حساء لذيذًا في فصل الشتاء “اوم”، فإن قمع الغريزة العفوية مهما كان طفيفًا سيترتب عليه نتائج سيكولوجية خطيرة. وقد يقال إن آدابنا في الطعام سيئة، لكننا على الأقل نحسن التمتع بإحدى النعم الشحيحة التي تمنحنا إياها الحياة.

اقرأ أيضاً: 8 نصائح تحفيزية لتدريب عقلك على رفض الوجبات السريعة وتناول الطعام الصحي

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق