سياسة و تاريخ

المعايير المعتمدة في إدارة المنظمات الدولية غير الحكومية: “منظمة العفو الدولية نموذجا”

تشارك المنظمات الدولية غير الحكومية في صياغة السياسة العامة العالمية، وتتناول العديد من القضايا في مختلف المجالات وأهمها حقوق الإنسان، وقد تمكن هذا النوع من المنظمات في أن يفرض نفسه في العديد من المفاوضات المتعلقة بالبيئة وحقوق الإنسان أو القانون الدولي الإنساني، إذ تملك حق المشاركة في المفاوضات حتى لو لم تكن لها حقوق رسمية في التصويت، إلا أن لها أدوار حاسمة ومتعددة، إضافة إلى سعيها من أجل المشاركة في رسم سياسة حقوقية متكاملة من خلال حرصها على التعاطي مع مختلف الفاعلين وخاصة الأفراد، لأن إدراك الحقوق هي بداية لحمايتها وتعزيزها أكثر، وهذا ما تركز عليه منظمة كمنظمة العفو الدولية مند نشأتها إلى اليوم.

منظمة العفو الدولية أثبتت فعاليتها من خلال احتكاكها بشكل مباشر مع مختلف الفئات، وبإلتزامها بالمبادئ والمعايير المعمول بها على الصعيد الدولي، إلا أنها واجهت العديد من المشاكل لا سيما تلك المتعلقة بالشفافية، وهذه الأخيرة التي تمس طرق إدارتها لقضايا حقوق الإنسان.[1]

تعد منظمة العفو الدولية حركة عالمية، يناضل أعضاؤها من أجل تعزيز حقوق الإنسان، إذ يستند عمل المنظمة على بحوث دقيقة وعلى المعايير التي اتفق عليها المجتمع الدولي، فهي تتقيد بمبدأ الحياد وعدم التحيز، فكل ما حققته المنظمة كان بفضل الآليات والمعايير التي اعتمدت عليها، فقد كانت حريصة على الوصول إلى المعلومات الدقيقة بشأن وضع حقوق الإنسان عبر لجان تقصي الحقائق التي أرسلتها إلى مختلف المناطق، كما ركزت على دور التعليم في مجال حقوق الإنسان عبر المنشورات والتقارير المختلفة التي تصدرها بشكل دوري.

إلا أن المنظمة بالرغم من وجود مبادئ ومعايير تعتمد عليها في فلسفة الاشتغال مثل النزاهة و الموضوعية وكذا المساءلة، إلا أنها تعاني من تحديات تعيق عملها، وخصوصا ما يتعلق بالشفافية  على مستوى المعلومات التي تعتمدها أو ما يتعلق بالتقارير التي تصدرها المنظمة.

وهذا ما يجعلنا نطرح التساؤل التالي: إلى أي مدى تتوفر تجليات الشفافية في إدارة المنظمة أم أن هناك غياب لهذه الشفافية؟

و سنحاول التطرق في هذا الجزء إلى المعايير والمبادئ التي تعتمدها المنظمة في فلسفة إدارة المنظمة.

1- مبادئ الموضوعية والنزاهة:

وهذا المبدأ الذي تعتمده جل المؤسسات والمنظمات في إدارتها للقضايا التي تشتغل عليها، خصوصا في ما يتعلق بالمنظمات الدولية غير الحكومية، وهذه المبادئ عديدة اشتغلت عليها في العديد من المؤتمرات، لذلك سنقتصر على بعضها من خلال ما يلي:

أولا: مبدأ النزاهة

تعد النزاهة القيمة الجوهرية بالنسبة إلى أخلاقيات المهنة، ومن واجب المدقق أو المحقق أو أي مسؤول أن يتمسك بمعايير سلوكية عالية كالصراحة والصدق، أثناء عمله وفي علاقاته مع موظفي الجهات الخاضعة للرقابة، وينبغي أن يكون سلوكه فوق كل الشبهات حتى يحافظ على ثقة الجمهور.

وتقاس النزاهة بما هو صحيح وعادل، وتقتضي من المدقق أن يحترم شكل الرقابة وروحها وكذلك المعايير الأخلاقية، وأن يحترم الموضوعية والاستقلالية، وأن تبقى أخلاقيات سلوكه المهني فوق المؤاخذات، وأن يتخذ القرارات واضعا المصلحة العامة في الاعتبار، وأن يتوخى النزاهة المطلقة في أدائه لعمله وفي استعماله لموارد الجهاز الأعلى للرقابة والمحاسبة .[2]

وبالتأكيد فإن المسؤول أو الإداري في المنظمة غير الحكومية يحرص على تقديم نشاطه في إطار من النزاهة ما دام يؤدي مهامه تحت أعين المجتمع. إذ في هذا السياق نجد معايير بنغالور للسلوك القضائي ذهبت في نفس السياق، حيث جاءت تنص على أن سلوك وتصرف الموظف يجب أن يكون متوافقا مع ثقة الشعب في نزاهة الجهاز الذي يشتغل به،  فالإنصاف يجب ألا يكون مجرد نظرية وإنما واقع للعيان، لأن قيمة النزاهة أمر جوهري لحسن أداء الوظيفة التي يشغلها الموظف خصوصا في الجهاز القضائي.[3]

ثانيا: مبدأ الموضوعية

إن المدقق عليه أن يسعى فقط ليكون مستقلا عن الجهات الخاضعة للرقابة وغيرها من مجموعات المصالح، لكن عليه أيضا أن يكون موضوعيا ومتجردا في معالجة القضايا محل البحث والرصد من قبل أي جهة، وفي كل الأمور المتعلقة بالعمل الرقابي ينبغي أن لا تضر استقلالية المحقق من جراء مصالح شخصية أو خارجية، حيث يمكن أن تتضرر الاستقلالية مثلا بالتأثير على المدقق أو بالأفكار المسبقة التي يحملها المحقق عن الأشخاص أوالجهات الخاضعة للرقابة، أو عن البرامج والمشاريع لدى الجهة الخاضعة للرقابة، لذلك فإن المحقق ملزم بالامتناع عن المشاركة في كل الأمور التي له فيها مصالح ثابتة.

وفي هذا السياق يمكن القول بأن هناك حاجة إلى الموضوعية والنزاهة في كل الأعمال التي يقوم بها المدقق وخصوصا في تقاريره التي ينبغي أن تكون دقيقة وموضوعية، لذا ينبغي أن تعتمد الآراء والتقارير فقط والإثباتات التي يتم الحصول عليها وتجميعها طبعا للمعايير المعمول بها في الهيئات الرقابية، كما ينبغي أن يستخدم المدقق المعلومات التي تقدمها الجهة الخاضعة للرقابة والأطراف الأخرى ذات العلاقة، وينبغي أن تأخذ هذه المعلومات في الاعتبار الآراء التي يعبر عنها المدقق بصورة مجردة، وعلى المدقق أيضًا أن يجمع المعلومات المتعلقة بآراء الجهة الخاضعة للرقابة وآراء الأطراف الأخرى، لكن ينبغي أن لا تتأثر استنتاجاته بهذه الآراء.[4]

2- المساءلة وبعد التخطيط الاستراتيجي في عمل منظمة العفو الدولية

تقوم منظمة العفو الدولية بإدارة قضايا حقوق الإنسان بالتركيز على الدفاع عن ضحايا انتهاكات أو تعزيز السياسات الدولية، من أجل إدراك حقيقي لواقع حقوق الإنسان مع مختلف المنظمات الناشطة في مجال ترقية وحماية الحقوق والحريات الأساسية، وتقوم الفلسفة الإدارية لمنظمة العفو الدولية في مجال حقوق الإنسان على المبادئ التالية:

أولا : مبدأ المساءلة

المساءلة هي”واجب الموظفين العامين”، سواء كانوا منتخبين أو معينين، وتقديم تقارير دورية عن نتائج أعمالهم، وتفسيرهم لقراراتهم، ومدى نجاعتهم في تنفيذها، حتى يتم التأكد من أن عملهم يتفق مع القيم الديمقراطية وأحكام القانون، وأصول وقواعد العمل السليم”. ويرتبط بمفهوم المساءلة مفهوم المحاسبة، والذي يعني “خضوع الذين يتولون المناصب العامة للمساءلة القانونية والإدارية والأخلاقية إزاء قراراتهم وأعمالهم، ويتمثل ذلك بمسؤولية من يشغلون الوظائف العامة أمام مسؤوليهم، وهكذا حتى قمة الهرم في المؤسسة أو المنظمة.”[5]

وتعد المساءلة في مجال إدارة قضايا حقوق الإنسان مسألة هامة جدا، إذ تركز منظمة العفو الدولية على المساءلة في مجالات التفوق، والعمل والسرية وتقديم التقارير العلنية و الشفافية، فهي تسعى إلى التقيد التام بالمعايير العامة لتقديم التقارير، وميثاق المساءلة الخاص بالمنظمات الدولية غير الحكومية .[6]

ثانيا : بعد التخطيط الإستراتيجي في عمل منظمة العفو الدولية:

تقوم فلسفة منظمة العفو الدولية على التركيز بشكل أساسي على عملية التخطيط الاستراتيجي، الذي يساهم في الاستخدام العقلاني للموارد المنظمة، والاستفادة من قدراتها من أجل نجاح عملياتها وأنشطتها، فالحملات والتقارير التي تنشرها لا بد من أن تكون مدروسة بعناية، بالإضافة إلى أنها تهتم بالكادر البشري الذي يمثل الركيزة الأساسية لها خاصة وأن العضوية في المنظمة قائمة على التطوع بما يضمن لها المساواة.

وتتمثل أهم أدوار المنظمة في الدور الرمزي والذي يتمثل في التأثير على السلوك السياسي للفواعل وتغيير معارفهم، ويظهر هذا جليا من خلال تركيزها على عمليات التدريب والتربية على حقوق الإنسان، ثم الدور المؤسسي أو القانوني الذي يتمثل في ضبط سلوك الدول والذي يتضح من خلال تركيزها على دور الالتزامات الدولية والقوانين وغير ذلك .[7]

تتميز إدارة المنظمات الدولية غير الحكومية ومنها منظمة العفو الدولية إذن بعدة مبادئ ومعايير في إدارتها للقضايا، وخاصة قضية رصد حالة حقوق الإنسان في العالم، من خلال فروعها المنتشرة في كل أرجاء العالم، وتتجلى هذه المبادئ في أن يكون العاملون بهذا المجال تتوفر فيهم صفات أخلاقية، وحميدة بعيدة عن الكذب والتدليس، من أجل أداء الوظيفة الموكولة إليهم بكل مصداقية وحيادية، ولذلك ينبغي أن يتحلى كل من المندوبين والمحققين والخبراء في مجال حقوق الإنسان بصفات الكفاءة والمهنية والخبرة في مجال حقوق الإنسان، وهناك عدة مبادئ يتبعها أعضاء المنظمة لإصدار تقاريرها الرسمية ذات الجودة العالية،من أبرزها “الموضوعية والنزاهة”

 *  المراجع المعتمدة: 

[1]  – أسماء مرايسي :”إدارة المنظمات الدولية غير الحكومية لقضايا حقوق الإنسان ـ دراسة حالة منظمة العفو الدولية”، مذكرة مكملة لنيل شهادة الماستر في العلوم السياسية – تخصص : الإدارة الدولية –  تحت إشراف دكتور دلال بحري –جامعة الحاج لخضر – باتنة كلية الحقوق والعلوم السياسية-قسم العلوم السياسية، السنة الجامعية 2011/2012 .

[2]  – أخلاقيات المهنة  إصدار لجنة المعايير الرقابية، في مؤتمر الإنتوساي ل 16 سنة  1998.

[3]  – مندل توبي :”حرية المعلومات مسح قانوني مقارن “،  نيودلهي: اليونسكو- 2003.

[4] – Ferdinando Lignola : la politique pénale en Italie , in colloque :la politique pénale au maroc ,réalité et perspections ,imprimerie fédala , mohamadia , 2005-

[5] – منظمة الشفافية الدولية :”نظام النزاهة العربي في مواجهة الفساد”،  المركز اللبناني للدراسات، بيروت:  2006 .

[6] – منظمة العفو الدولية:”المسألة”، منشور على موقع المنظمة:http://www.amnesty.org/ar/who-we-are/accountability    تاريخ تصفح : 05/07/2016 ، على الساعة : 45h12.

[7]  – أسماء مرايسي :”إدارة المنظمات الدولية غير الحكومية لقضايا حقوق الإنسان ـ دراسة حالة منظمة العفو الدولية”، مرجع سابق.

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

منى دلوح

منى دلوح طالبة باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة عبد المالك السعد -طنجة ، حاصلة على دبلوم الماستر في حقوق الانسان، موازاة مع مساري الدراسي فأنا ناشطة في العديد من الجمعيات منها مركز ليكسوس للدراسات القانونية والسوسيولوجيا، متطوعة بشبكة حقوق الانسان بمعهد بروميثيوس للديقراطية وحقوق الانسان، رائدة بالفضاء المدني... كذلك مشاركة في برامج تدريبية وتكوينية سواء على المستوى الوطني وكذا الدولي من بينها أكاديمية المجتمع المدني، منتدى شباب العالم في مصر، سفراء نوابك...
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق