علوم وصحة

المعالجة المعرفية العقلية والتفاعل العاطفي الفيسيولوجي

هل الاستجابة الجسدية تحدث كنتيجة لفكرة الخوف، الحب، الحقد، الخيانة، السرقة أم أنها تسبق الفكرة؟

لنفترض أنك تتجول ليلًا، فجأة ظهر أمامك أسد، شعرت بالخوف، تسارعت دقات قلبك، بعدها بدأت تركض كي تنقذ حياتك.

لنفترض أيضاً أنك خاصمت حبيبتك، بعدها ذهبت عند صديقها لتشكي همها له، فواساها، عانقها، فما هي الأنشطة المعرفية والفيسيولوجية التي اشتغلت في كلا الفرضيات؟

لماذا تتسارع دقات القلب عند مواجهة الخطر؟ كيف يتفاعل التفكير والشعور؟ هل المعرفة تحدد العاطفة؟ هل اختلاف الثقافات يمكن أن يحدث فرقًا بين ردود الأفعال في الافتراض الثاني؟

أغلبنا نحب، نكره، نخاف، لكن هل نعرف كيف يحدث ذلك؟ فمهمتي هنا هي أن أطرح قضايا علمية نعيشها كل يوم، ولكننا نجهل كيفية اشتغالها، لذا عزيزي القارئ سأحاول ما أمكن أن أقدم النقاش الذي ضمه علم النفس عبر مراحل عدة، وسأطرح نقاشًا آخرًا مفاده هل يمكن للمعرفة والسياق الثقافي أن يشكل فرقًا بين تفاعل شخص غربي وآخر عربي مع تحديد السلوكات لنفس القضايا العاطفية؟

تمثل المشاعر حيزًا كبيرًا من حياتنا، فبدونها لا يمكن أن نتخيل عالمًا متكاملًا، لأنها تحفزنا على اتخاذ القرارات، فالعاطفة هي استجابة العقل والجسم لمحفز ما، وتتضمن إثارة فيسيولوجية وسلوكات تعبيرية، وتجارب واعية، وتختلف شدتها من شخص لآخر حسب التفاعل المتكامل بين العقل والجسم، وكذلك بنوع التجربة والسياق الثقافي للتعامل مع المحفز؛
وجاء النقاش العلمي ليحدد لنا ما إذا كانت الاستجابة الفيسيولوجية تسبق العاطفة كما تزعم “كارل لانغة”، أو أن الاستجابات الجسدية والعواطف تحدث بشكل منفصل ولكن في آن واحد كما استنتج “فيليب بارد”.

لم يقتصر النقاش على هذين العالمين فقط، بل استمر مع مجموعة من العلماء ومن الباحثين طوروا نظريات المشاعر البشرية وتمثيلها في الجسم، حيث أن الآليات التي تقف وراء تجربتنا في المشاعر ومعالجتنا المعرفية لها تظل موضوعًا محوريًا، وزعم القول أن المشاعر تظهر نتيجة تقييماتنا، أي تفاسيرنا للأحداث، وهذا يطرح سؤال الاختلاف بين الأشخاص والثقافات وردود أفعال عاطفية تجاه المواقف نفسها.

وعلى إثره نتطرق للافتراض الثاني في المقدمة، والذي يجمع بين الجانب التجريبي العاطفي وبين السياق الثقافي، لماذا الفرد الغربي يتقبل أن يزور فرد آخر شريك حياته بينما يسبب هذا عندنا مشكلة كبيرة؟ فردود الأفعال التي تظهر عند الشخص العربي عندما تنزعج منه شريكته فيواسيها صديقها بعناق، أو إخباره أن صديقته فاقدة لغشاء البكرة ليست نفسها التي يظهرها الفرد الغربي، وهذا لا يعني أن هذا الأخير شخص ذكي ومنفتح، ولا يعني أنه يشجع على الإخلال بالقيم الأساسية، كما أنه لا يعني الفرد العربي هو شخص متخلف ومتسلط وعنيف، ولكن الأصح هو أن السياق الثقافي يحكم أفكارنا، والتجارب العاطفية أثرت في اتخاد قرارنا في كلا الفرضيات.

وكما هو الحال مع اختبارات المواجهة بين شخصين مرتبطين تم توصيلهما بجهاز كشف الكذب، خلصت المواجهة في الدول الغربية على أنه من العادي أن يكون لفتاة في علاقة صديق آخر يواسيها بعناق إذا انزعجت من زوجها أو حبيبها، ثم أن الممارسة الجنسية هي أمر عادي كذلك، بينما الاستمارة التي اشتغلت عليها مع الأشخاص العرب تبين أنهم يرفضون بشكل قطعي مثل هذه السلوكات، وهذا بدوره يؤكد أن سؤال اختلاف الأشخاص والثقافات يحكم سلوكاتنا، فالمعرفة تحدد العاطفة كما هو الحال في نظرية TWO-FACTOR THEORY، لكي يحس الفرد بالعاطفة عليه أن يشعر بالإثارة الفيسيولوجية، وتصنف هذه الإثارة معرفيا على حد سواء.

التفسـير العلمي للمعالجة المعرفية- الفيسيولوجية للعاطفة

أكد “روبرت زيوس” أن جميع المشاعر ماهي إلا نتيجة تسميتنا لإثارتنا، واقترح أن العديد من الاستجابات العاطفية تحدث بشكل منفصل، أو قبل تدخل تجاربنا ومعرفتنا.

فإذا سمعنا صوت حادث لسيارتين، فإننا سنستجيب له بشكل تلقائي قبل أن نسأل ما هذا الصوت الغريب، وهذا لأن عقولنا تعالج المدخلات الحسية عن طريق مسارين، من الأكبر إلى الأصغر أو من الأصغر إلى الأكبر، ويأتي التفسير العلمي العصبي بأن بعض المشاعر الأكبر والأكثر تعقيدًا كالحب والكراهية تسير في المسار الرئيسي.

مثلاً، شخص ما تلقى رسالة نصية من عشيقته، فيمكن ربط هذا الشعور بالحب بالمنبه الحسي الذي تمثله القراءة، وينتقل من أعيننا عبر المهاد إلى قشرة الدماغ، ويمكن تحليله عبر العمليات العقلية المعرفية إما شعوريًا أو ضمنيًا، ومن هناك يتجه إلى الجهاز الحوفي وهو منطقة الدماغ المركزية التي تثير العواطف والتحفيز، وحينها نستجيب بالشعور بالحب؛
في حين أن بعض العواطف لا تتضمن تفكيرًا فعليًا مثل الإعجاب البسيط أو النفور أو الخوف، وتسلك مساراً عصبياً مثل سماع صوت تحطم سيارة في الخارج، أو شيء يقترب من رؤوسنا، فهذه المحفزات تسير متجاوزة القشرة وتتوجه بسرعة من الأذن أو العين مباشرة إلى اللوزة في الجهاز الحوفي، وهي استجابة لا إرادية تسمح لنا بالاستجابة بسرعة، وعادة في وجه خطر محتمل.

وبعبارة أخرى، المسار الرئيسي يكون أبطأ، يسمح بالتفكير في المشاعر، بينما المسار المختصر الفرعي السريع يسمح باستجابة فورية.

خاتمة

عادة ما نميز الخوف والغضب والإثارة الجنسية، وذلك حينما تظهر علينا كبعض العلامات البيولوجية المتشابهة، لكن الذين يشعرون بهذه العواطف يشعرون باختلاف بينها، ومن خلال هذه الاختلافات يمكننا أن نعرف ما إذا كانت الاستجابة هي رئيسية أو فرعية، فالذي يغضب لأبسط الأسباب، تكون استجابته سريعة، أي أنها تسلك المسار الثاني.

وكذلك فإن استجاباتنا من الناحية الفلسفية تحكمها عدة عوامل، من بينها دينية، كغضب الأب من ابنه حينما يتجاوز العشرين السنة ولا يصلي، أو رؤية مسلم لشخص آخر يسب الدين، ثقافية تتجلى في كل القيم والضوابط والظواهر الاجتماعية والنفسية السائدة في تلك الثقافة، وهذا ما يجعل سلوكاتنا تختلف عن ثقافة أخرى.

إلا أن التفسير الفيسيولوجي للعواطف بمختلف المحفزات تظهر الإيجابية نشاطًا أكبر في الفص الجبهي الأيسر، بينما السلبية تظهر في الفص الجبهي الأيمن، وسيظهر شخص خائف جدًا نشاطًا متزايدًا في اللوزة وهي المركز العاطفي، فهذا يحكم الإنسان ككل، بينما تختلف الاستجابة نتيجة لتفاعلنا مع المحفز.

المصادر:

Tow-factor theory
Brain fart
Human physiology

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى