ثقافة وفنون

المصداقية الغائبة: المثقف الفلسطيني ناصر الحزب على حساب القضية

في واحدة من محاولاتي لقدح زناد التفكير حول واقع الثقافة بألوانها، واتجاهات المثقفين ودورهم في تعزيز السلم الاجتماعي أو التأثير على القرار السياسي أو حتى تحصين البناء الاجتماعي. وبعيداً عن تعريف الثقافة أو تصنيف المثقفين بين (المستلب، المشتبك، المساير،..)، هناك إشكالية واضحة تؤثر سلباً على دور الثقافة بشكل عام، والمثقف بشكل خاص في تعزيز التسامح واللاعنف أو دعم قبول الآخر، تتمثل في تشوه العلاقة بين المثقفين أنفسهم، وبين المثقف والجمهور.

فمن الناحية الأولى، قلما تجد الحب أو تمني الخير بينهم، وقد تجد انفصالاً شبه تام بين ما يطرح المثقف، وبين دوره الوظيفي وفق معايير تخدم مصلحته أو تبعد عنه بطش السلطة، وكذلك انفصاماً بين ما ينظر له وما يتبعه من سلوك.

ومن الناحية الثانية، وعلى اعتبار أن المثقف هو نتاج للبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها، وحيث إن المجتمع يحيا حالة من الهلامية وتداخل المصالح وهيمنة الهوية الحزبية على الهوية الوطنية، فإن حالة المثقف ستتسم بالتشتت وستبقى أزمة المثقف أزمة المجتمع نفسه.

إن التحول في مفهوم وبينونة الثقافة الفلسطينية، لم يؤهلها منذ الانقسام السياسي لأن تكون أداة من أدوات تعزيز التسامح ورفض مظاهر الغلو، رغم ما كان لها من وحدة المضمون ما قبل عام 1993م، والذي يتمثل (بأدب المقاومة)، وازدهار المشهد الثقافي ما قبل عام 2007م، وذلك لسبب البحث عن الهوية الحزبية، ومناصرة الأيديولوجيات على حساب القضية.

ولأن المثقف الحقيقي لا يساوم على قلة، ولا ينسخ أفكار غيره، ويحمل رسالة مفادها التنوير والتحرر من القيود والتعافي من أمراض التعصب والحزبية، فإن المثقف أو من يدعي الثقافة متورط فيما آلت إليه أحوال المجتمع وكان سبباً غير مباشر في ارتفاع وتيرة خطاب الكراهية، خاصةً بعدما ساهم الفساد الإعلامي في تلميع من تعود أن يتقمص دور الكاتب أو الفنان أو المثقف إلى أن أصبح له مريديه على مواقع التواصل الاجتماعي.

ورغم انتشار واتساع دائرة الثقافة خلال السنوات الأخيرة، لكني أرى أن فيها (قولبة) عجيبة، وبدلاً من أن تكون نتاجاً للحرية أصبحت ضحية للعشوائية، فتراجعت الكثير من المشاهد الحية بسبب البحث عن الشهرة أو المكان في معمعة لن يبقى فيها إلا الإرث الثقافي الجيد.

لقد خلط الجمهور بين التعليم والثقافة وبين الفكر وتعلم التفكر، وركزوا على (الماضوية) بأشخاصها لا بأفعالها وعاشوا طقوس تمجيد (عكاكيز الإغريق) في أوج صورها بسطحية لا تفرق بين مدلول الدين كحزب والعلمانية كدولة.

كل ما سبق، فرض على واقع الثقافة والمثقف الحقيقي، والفنان المؤمن برسالته جملة من التحديات، فإما أن يعزل نفسه، أو يجمع بين ولاءين، أو يواجه الكف بالمخرز، من خلال نقد الأساطير المجتمعية والسياسية السائدة سواء على مستوى السلطة الحاكمة أو نقيضها السياسي (الأحزاب المعارضة)، وتعرية القاع المتخلف الداعي إلى النخبوية وإقصاء الآخر أو تعنيفه لمجرد الاختلاف، أو الدعوة للصلاة وراء عبد الله وتكفير عبد القدوس.

ونفس المعنى يؤكده أبو حيان التوحيدي في كتاب “البصائر والذخائر”، حيث يقول إن الإسكندر المقدوني غضب على شاعر فأقصاه وفرق ماله في الشعراء، فقيل له: أيها الملك: “بالغت في عقوبته”، قال: “نعم، أما إقصائي إياه فلجرمه، وأما تفريقي ماله في أصحابه الشعراء فلئلا يشفعوا فيه”.

ولأن الواقع الثقافي والفكري العربي عامةً والفلسطيني خاصةً، أقسى مما كان عليه الحال زمن الإسكندر المقدوني، بحسب رواية أبو حيان المُشار لها، فلم يسبق لفكر المثقف أن تعرض للاختبار وامتحان المصداقية كما يحصل الآن، ولم يسبق له أن وُضع على المحك في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، كما يتعرض له الآن.

 

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

محمود عبد المجيد عساف

• أستاذ الإدارة والتخطيط التربوي المساعد غير المتفرغ في بعض الجامعات • عضو لجنة تقييم نظام الانضباط المدرسي بوزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية 2012 • عضو اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين. • عضو اللجنة الاستشارية لمجلة (scientific creation pioneers) الدولية • عضو هيئة تحكيم المجلة العربية لضمان جودة التعليم الجامعي 2018، ومجلة جامعة فلسطين للأبحاث والدراسات • عضو الجمعية المصرية للتربية المقارنة والإدارة التعليمية للعام 2012 • مدرب معتمد ومستشار إدارة الجودة في المؤسسة الكندية للتدريب والاستشارات. • زمالة البورد الأمريكي للمدربين الدوليين، وعضو منتدى خبراء التنمية البشرية 2014 • عضو البرلمان الدولي لعلماء التنمية البشرية ( IPSHD) • عضو اتحاد المدربين العرب بالأردن (2014)، ونائب رئيس مكتب فلسطين السابق • عضو منتدى أكاديميون من أجل السلام وحقوق الانسان 2015م • عضو الشبكة العربية لكتاب الرأي والإعلام. 2016 (رئيس دائرة الثقافة والفنون) • عضو المجلس العربي للأخلاق والمواطنة في جمهورية مصر العربية 2014م • حاصل على منحة وزارة التربية والتعليم العالي للبحث العلمي للعام 2014. • عضو الرابطة العربية للآداب والثقافة ( العراق) – رقم 797 • عضو منظمة الفرات للسلام العالمي رقم (327)، والحاصل على درع السلام 2016 • مدرب معتمد لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مجال القانون الدولي الإنساني • له العشرات من الأبحاث العلمية المحكمة والمنشورة • شارك في العديد من المؤتمرات الدولية والمحلية والأيام الدراسية • أشرف وناقش العديد من رسائل الماجستير بالجامعات الفلسطينية • له (10) مؤلفات محكمة بأرقام ايداع وطنية ودولية في مجال :( الإدارة والتخطيط التربوي- أخلاقيات مهنة التعليم – التنمية- التميز في التعليم العالي) • ممثل فلسطين في الدورة العربية الاقليمية للقانون الدولي الإنساني والتي عقدت في تونس 17-26/4/2017 ، وفي دورة إعداد المدربين في مجال القانون الدولي الإنساني التي عقدت في الرباط 2019 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق