سياسة وتاريخ

المصالحة ترجع إلى الخلف

عاد التوتر ليلقي بظلاله على العلاقات السعودية-القطرية، وظهر ذلك بجلاء في عودة قناة الجزيرة لتغطية الأنباء الخاصة بالسعودية بشكل مركز، بعدما تلقت تعليمات من مسؤولين حكوميين قطريين أوائل ديسمبر من العام الماضي بالمرور سريعاً على الأخبار الخاصة بالسعودية، بعدما انتشرت أنباء تفيد بوجود تقارب بين الرياض والدوحة بعد زيارة سرية قام بها وزير الخارجية القطري “محمد بن عبد الرحمن” للمملكة، التقى خلالها مسؤولين سعوديين، وأسفرت عن حضور وفد قطري للقمة الخليجية التي انعقدت في الرياض.

توقع كثيرون أن يحضر الأمير تميم القمة كبادرة حسن نية تجاه الشقيق الخليجي الأكبر، لكن خابت الظنون وغاب العاهل القطري دون سبب واضح، ورجح البعض أن يكون السبب المفاوضات بين الجانبين لصياغة بنود مصالحة مرضية، لكن فجأة انتشرت أخبار تؤكد ألا مصالحة بين الشقيقين الخليجيين في القريب العاجل.

وبعدما انقضت فترة الهدنة، عادت التغطية الإخبارية للجزيرة للتركيز على مصالب السياسة السعودية حول العالم، خاصة ما يتعلق بالحرب غير المنتهية في اليمن وما خلفته من ضحايا على أيدي من يفترض أنهم قدموا لنجدتهم، وكان التناول الأبرز هو الفيلم الوثائقي الذي أذاعته الجزيرة عن المخططات السعودية؛ لإيجاد موطئ قدم للمملكة على بحر العرب من خلال الاستيلاء على محافظة المهرة، وتنصيب قيادة محلية موالية للرياض.

بعدها بأيام قلائل وجهت الجزيرة ضربة موجعة لحاكم السعودية الفعلي “محمد بن سلمان”، بتسليط الضوء على ضلوعه شخصياً في قرصنة الهاتف المحمول لـ”جيف بيزوس” مالك الواشنطن بوست، وصاحب موقع أمازون أشهر المواقع التجارية في العالم؛ عقاباً للرجل على تبنيه مطلب فتح تحقيق دولي في مقتل جمال خاشقجي، الذي عمل في الجريدة بين 2017 و2018، وكشف الرسائل الغرامية بين جيف وعشيقته، وقد تسببت هذه العملية الخرقاء في طلاق زوجة بيزوس منه، والحصول على نصف ثروته المليارية عقاباً له على خيانته لها.

لكن يتساءل متابعون كثر للشأن الخليجي عما سبب انتكاسة لمصالحة اعتبرها غالبية المحللين السياسيين مسألة وقت، لكن وكما قال العرب قديماً إذا عرف السبب بطل العجب، والسبب في استمرار القطيعة بين أبناء الجوار والدين واللغة الواحدة هو الرفض الإماراتى.

تعنت “محمد بن زايد” ولي عهد أبو ظبي والقائد الفعلي للبلاد، ورفض إتمام الصلح السعودي-القطري إلا بشروط الإذعان الثلاثة عشر التي حاول فرضها على الدوحة قبل نحو ثلاثة أعوام، وأهمها على الإطلاق من وجهة نظر بن زايد إغلاق الجزيرة وتسليم المطلوبين المتواجدين في قطر لمحاكمتهم.

وكما يعلم الجميع فإن محمد بن سلمان يفرض سطوته وسلطته داخل السعودية، أما حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية سواء في الخليج أو العالم، فإن القول الفاصل في يد بن زايد، والذي نجح بامتياز في توجيه الملك السعودي المنتظر بما يخدم مصالحه هو لا مصالح السعودية؛ من خلال السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة، ومن يومها والسياسة السعودية مختطفة من الإماراتيين.

تعسر المصالحة الخليجية لن يفيد إلا إيران التي تتربص بالخليج الدوائر، وتحلم باليوم الذي تعيد فيه بلدان هذه المنطقة الحيوية من العالم لبيت الطاعة الفارسي، وإن لم يتسامى حكام الخليج فوق خلافاتهم، فلا يلومون إلا أنفسهم بعدما تكون الواقعة قد وقعت، وصار خامنئي صاحب الأمر والنهي في بلادهم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019
زر الذهاب إلى الأعلى