سياسة وتاريخ

المصالحة المصرية التركية

تركيا ……….العهد جديد
يقول وزير الخارجية الأسبق داوود اغلو والمؤسس الحقيقي للفلسفة السياسية التي تنتهجها تركيا حاليا:
(إن المجتمعات التي تقوم بقفزات حضارية قوية وتضفي نوعا من النظام على التراكم الحضاري تأخذ في اعتباراتها انطباعات عالمية منطلقة من المكان الأصلي الذي وجدت فيه خلال الفترة الزمنية الواقعة بين اللحظة الزمنية التي تظهر فيها على ساحة التاريخ والمرحلة التي تبدأ فيها كقوة مؤثرة في الساحة التاريخية) داوود اغلو

ولا يخفي على أحد مرامي اغلو من هذا الكلام فتركيا الماضي كانت تحكم الشرق الأدنى والأقصى وما خسرت تفوقها السياسي واستعلائها الحضاري الا بقيام الحركة العلمانية على يد أتاتورك؛ الذي قوض مسيريها من خلافة عريقة ودولة مترامية الأطراف لمجرد دولة تقيدها اتفاقيات و تحكمها مبادئ لم تشترك حتى هي في صياغتها، لذلك نقمت تركيا الحاضر بقيادتها الإسلامية على العلمانية وجيشها وحاولت تقويضها بكل السبل ورأت فيها عدوها اللدود، وإن كان اغلو في مبادئه المعلنة يدعو إلى التمسك بالقيم والأخلاق فإن السياسة مبناها المصلحة أولًا وأخيراً، ورفض تركيا لما حدث في يونيو2013 لم يكن بدافع الأخلاق إلا بقدر ما كان بدافع المصلحة الوطنية المضادة لفكر الانقلابات العسكرية من ناحية، والصورة التي رسمها الحزب الحاكم لشعبه من ناحية ثانية، ولتوازنات القوي الدولية من ناحية ثالثة، وعندما حققت تركيا غرضها من خيارها الأول انتقلت للخيار الثاني لتحقيق مصلحة أخرى لا تقل عن مثيلاتها، ولكن ماذا ترتجي تركيا من توسعها بالشرق الأوسط؟
هذا يجعلنا نعود إلى بدايات قصة العلاقات الدولية وكيف تتعامل الدول مع بعضها:

كان الفكر الامبراطوري قديما(ما قبل قيام الدولة القومية الحديثة والنظام العالمي الجديد) يتمثل في عبارة حدودك حيث يقف جيشك وحدودي حيث يقف أخر جندي من جيشي، ثم جاء فكر راتزل وجيلين الذي ادخل مصطلح( النظرية الجيوسياسية) ودعا الى أن (الدولة كائن عضوي حي) ولذلك يجب أن يتوسع وإلا مات وعلى أفكاره قامت ألمانيا بحروبها تجاه أوروبا 1917 أما ما بعد الحرب العالمية الثانية وتشكيل الحدود فقد انتهي هذا الأمر وأصبحت الحدود مرسمة بطريقة واضحة إلى حد ما، ولكن هذا النظام بدأت إرهاصات نهايته الآن، وبدأنا بالعودة الخجلة الى ما قبل الحرب العالمية الثانية بعد أن فشل النظام العالمي الجديد فيما وعد به.

كانت الحربين العالميتين دعوة صريحة إلى تشكيل نظام عالمي جديد تكون فيه الأدوار مقسمة بشكل دقيق ومركزه الولايات المتحدة الأمريكية كشرطي للعالم بعد الحرب الباردة و القضاء على القطب الاخر الاتحاد السوفييتي.

ولكن هذا الشرطي الذي قضي على الاتحاد السوفيتي بدا عاجزًا عن سد الكثير من الفراغات الجيوثقافية والجيواقتصادية والجيوسياسية التي نشأت عن الفصل بين الحدود كما حدث في القوقاز والشرق الأوسط وهذا دفع كثير من القوى إلى استغلال الوضع سواء لعمل موازنات سياسية أو لمحاولة الصعود وتحقيق أرباح استراتيجية كما فعلت تركيا مع كثير من الصراعات القائمة في منطقة الشرق الأوسط ،ووسعت نفوذها العسكري والسياسي سواء في ليبيا أو سويا أو العراق.

يقول داوود اغلو
(بالرغم من الأهمية الجيوسياسية المتعددة الجوانب لتركيا مازالت الرؤية الجيوسياسية حبيسة القوالب الضيقة والجامدة لعدم وجود تغيير ديناميكي للمتغيرات التي تحيط بها)

وبهذا يريد اغلو أن تعود تركيا للمركز كما كانت وأن تستغل كل الفراغات المتاحة لتصعد إلي القمة، وهذا بدا صريحًا أكثر من اللازم في الدراما التاريخية التركية كمسلسل أرطغرل الذي يدعو صراحة إلى أن الترك هم وحدهم سبب ضبط نظام العالم وبدونه سيعيش في براثن الظلم والظلام.

بين ترامب وبايدن

كانت تحرك ترمب عقلية رجل الأعمال وليس السياسي؛ ولذلك كان ينظر إلى مصلحة أمريكا الاقتصادية الآنية دون اعتبار لأي قيم او مبادئ او تحالفات، أو حتى للمصالح السياسية بعيدة المدى لأمريكا، ولذلك لم تزعجه الديكتاتوريات ولم تؤرقه المناطق المشتعلة في الشرق الأوسط ما دام الأمر يدر ربحًا عليه ويستفيد من مصائب الآخرين اذا فليبقى الأمر كما هو عليه.

أما بايدن الذي أعلن عن مبادئ سياسية تخالف مبادئ ترامب نهائيًا فانه حسب المعلن من إدارته فانه سيسعى لتهدئة منطقة الشرق الاوسط، كما سيعمل على ملف حقوق الإنسان وهذا لن يكون مريحًا لكثير من الدول في الشرق الأوسط وعلى رأسهم مصر وتركيا، وبالتالي فإن التقارب الان بين البلدين هو محاولة للاصطفاف في مواجهة المارد الأمريكي القادم.

كما أن  البلدين تعانيان من مشكلات داخلية متأزمة، وخارجية متشعبة على مدار السنوات العشر الأخيرة مما جعلهما منهكتين وتحاولان التهدئة لترتيب الأوراق من جديد.

المصالح المشتركة هي الأساس

ما يقال في الإعلام ولا سيما الإعلام المحلي لا علاقة له بمصالح الدول وإنما له علاقة بالأساس بإيصال رسالة معينة للشعوب، وبالتالي فإن تركيا ومصر لديهم مصالح مشتركة كثيرة سواء تجارية (تبادل تجاري يقدر بأكثر من 5 مليارات دولار +اتفاقية حرة للتجارة الدولية+ استثمارات تركية في مصر مستمرة منذ 2012 حتى الأن).

إضافة لذلك تشترك مصر مع تركيا بحوض البحر المتوسط ، وفي ظل أزمات دول المتوسط وبسط تركيا سيطرتها على كثير من دول البحر المتوسط كليبيا وقبرص يسعى كلا البلدين لاقتناص الفرصة وإعادة ترسيم الحدود البحرية، وهذا في مصلحة كلا الطرفين فتزيد حصة مصر البحرية-مما يعني كثير من حقول الغاز المسال- وفي المقابل تنسحب مصر من اتفاقيتها مع اليونان وقبرص مما لا يجعل تركيا وحيدة في ميدان المواجهة معهم لا سيما بعد تدخل فرنسا إلى حلف اليونان وقبرص قبل ان تمارس إدارة بايدين عملها وتفرض سيطرتها على المنطقة .

بعد تورط مصر مع أثيوبيا بملف سد النهضة ووقوفها وحيدة في الميدان سيما بعد تحالف أثيوبيا مع خمس دول من دول المنبع أصبحت مصر في وضع حرج يجعلها تسعى سعيًا حثيثًا للتقرب من تركيا وذلك لعدة أسباب:

  • دبلوماسية تركيا العريقة وإجادتها للمناورة والعمل السياسي تمكنها من لعب دور الوسيط في حل الأزمة.
  • مصالح تركيا الاقتصادية في أثيوبيا تمكنها من الضغط على الساسة الأثيوبيين سيما في ظل الأزمات الاقتصادية الحالية في أثيوبيا.
  • تمتلك تركيا ترسانة عسكرية فاعلة وتستخدمها بذكاء في فرض الأمر الواقع وفي ظل أزمة إقليم تيغراي من الممكن أن توظف تركيا ترسانتها لتحقيق مصلحتها في عمق أفريقيا عن طريق مصر.

المصالحة المصرية التركية الخجلة

بالرغم من كثرة المصالح التي تملي على البلدين حاليًا حل الأزمة القائمة منذ يونيه2013 إلا أنها لن تدوم وقتًا طويلاً، وسيعود العداء من جديد؛  وذلك نظراً للفكر السياسي التركي الذي يرى في العسكرين عدواً لسياسته ومصالحه الوطنية لا سيما بعد صعود التيار الإسلامي  المدني والمحاولات الحثيثة لانتشال تركيا من بئر العلمانية السحيق الذي هوت فيه منذ عهد أتاتورك.

وعلى الجانب الآخر ترى مصر في تركيا الحقبة العثمانية التي توصفها ب(الاستعمار التركي) ولا تنسى أبداً أن تركيا كانت البلد الأكبر الذي سخرت إمكاناتها للمعارضة المصرية ودعمتهم كثيراً في المحافل الدولية.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى