مدونات

المسلسلات التركية… سياسة غزو إيديولوجي جديد للعالم

عملت تركيا منذ 2004 على ضرورة غزو العالم ثقافيا لنشر إيديولوجية تمهيدية للسيطرة عليه من جديد،وعندما نتحدث عن العالم فالمقصود هنا الدول العربية والإسلامية،فهي سوق إستهلاكية بالدرجة الأولى،وأكثر إدمانا على مشاهدة المسلسلات العالمية،المكسيكية والبرازيلية وغيرها…
لقد جندت تركيا كل الوسائل لتصبح شاشات هذه الدول من الخليج الى المحيط مرتبطة بمسلسلات تركية مدبلجة بالعربية وبالدارجة المحلية العامية خليجية وغير ذلك.
فكان أول مسلسل تم تصديره الى العالم العربي والإسلامي الذي لم يكن يعرف عن تركيا أي شيء، “اكليل الورد” حيث حقق شهرة كبيرة ومشاهدة منقطعة النظير،ثم مسلسل “سامحيني ،”وودادي الدءاب”،”قيامة ارطغل”،”حريم السلطان”..

لقد  تخلى العالم العربي عن الأعمال الأخرى التي سادت لفترة طويلة وانبهر في مقابل ذلك بما تنتجه تركيا،فباتت قنوات هذه الدول تطلب المزيد من الأعمال التركية الأخرى،ومن هنا نجحت خطة الاتراك وباتت بلاد الأناضول تنتج ما يفوق 100 عمل درامي،وتضاعف العدد مع توالي السنوات ،ومع الإقبال الجماهيري العربي المتزايد عليه.
لقد عملت تركيا في البداية على تسويق مسلسلاتها الى دول الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية،فهي سوق استهلاكية بدرجة كبيرة،من ناحية المشاهدة والإقتصاد وغيرها،مستغلة التشابه الكبير في الإنتماء الديني الإسلامي،والموضيع التي تتطرق لها ،كالصراع السياسي والإقليمي والدولي الذي تعرفه معظم دول العالم وخاصة دول منطقة الشرق الأوسط،ثم الصراع بين الطبقات الاجتماعية،الفقراء والأغنياء،الحب وحياة الرفاهية..

وبعدما حققت تركيا مكاسب كثيرة من إنتاجها أو نشرها للأعمال الدرامية،لم تتوقف عند هذا الحد ،بل وسعت الأطماع واتجهت نحو شمال افريقيا،فباتت تغزو شاشات دول المغرب العربي الكبير ،وازاحت بل وقضت على الأعمال المحلية وطمس كل هويات هذه البلدان العربية منها والأمازيغية ،بعد أن تعاطت لأعمالها بشكل كبير،وذلك لنوعية المواضيع التي صدرت لها،حيث جعل الأتراك من محور المرأة المتحررة والحب أهم المواضيع،ثم صراع الطبقات الفقيرة التي تحاول النيل من الأغنياء بسبب فسادهم وفساد حكامهم،كما عملت أيضا على تصوير هذه الأعمال بدقة متناهية،تصويرا جميلا مزيننا بالأتات التركي وكل ما تزخر به الثقافة التركية،ما يجعل المشاهد يتيه في الفضاء والجمال اكثر من تركيزه على موضوع العمل الدرامي،فقد وصل عدد متابعي هذه الأعمال الى ما يفوق 400 مليون مشاهد وهذه نسبة كبيرة جدا.

وقد استفاذت تركيا من نشر ثقافتها عبر الأفلام الدرامية من تنمية اقتصادها الذي بات ينافس اقتصادات دول العالم المتقدم،واضحت بلدا مصنعا ومصدرا عوض ان تكون متلقي ومستهلك،فانتعشت بذلك السياحة وكثر الإقبال على مدن تركيا وخاصة مناطق التصوير،فحلم كل عربي مشرقيا كان أو مغاربيا ، ان يزور هذا البلد الذي عرفه ولربما احبه عن طريق المسلسلات،فالسياحة لوحدها حققت مداخيل قياسية غير متوقعة،حيث زار تركيا ما يقارب 50 مليون سائح العام الماضي 2018،بزيادة اجمالية بلغت نسبتها 22 في المئة.

التلفزيون التركي وعبر خبراء في السياحة والإقتصاد والسياسة،بات ينجز تقارير دورية عن طبيعة المستهلك و الإيديولوجية التي يحملها وما يصبوا اليه مستقبلا،فيتم تصوير العمل على هذا المقاص،بل اكثر من ذلك بات يراقب صورة الدولة خارجيا،فالبرغم من السياسة الخارجية التركية تجاه سوريا وبعض القضايا إلا أن المشاهد العربي والإسلامي عادة ما يتعاطف مع تركيا،عن وعي او عن غير وعي،فهو مشبع بثقافة هذا البلد،بل ووجد فيه النقص الذي يعيشه في بلده الأصل.

اما على مستوى الإقتصاد فتركيا باتت اهم مصدر للمنتوجات الصناعية والغذائية وغيرها،بل توسعت تجارتها وتوغلت لتشمل الأسواق المحلية للدول عن طريق نقط البيع والمحلات المعروفة عندنا في المغرب ب “بيم”.

المشاهد المغربي تحديدا والعربي على وجه الخصوص بات يفضل او يقبل بشكل كبير على هذه المنتوجات التركية انطلاقا من مشاهدته للأعمال الدرامية التركية،وفي هذا ضرر على اقتصادات الدول المستقطبة لهذه الأعمال واعني هنا دول شمال إفريقيا،بإعتبارها دول فقيرة تسعى إلى تنمية اقتصاداتها الداخلية.

أما على مستوى اللغة فقد طمست هذه الأفلام كل الأحلام الرامية الى إعادة إحياء اللغة العربية هوية ولغة وثقافة،وبات المتابع العربي الذي ألف الدبلجة بالعربية الفصى،يروقه اكثر سماع الدراجة أو العامية الهجينة التي يسمعها في الشارع وفي منزله في المقهى واينما ذهب..،فنجد مثلا أن الأطفال الصغار عوض ان يتعلموا العربية ويتحدثون بها كما كنا نفعل نحن من قبل ،يتعلمون اليوم بعد هذا الغزو الفجاءي الدارجة فيكتبون بها في مواضيعهم المدرسية،وأنا واجهت ذلك مرارا وتكرارا ،فالمدرس يجد نفسه محاصرا من جميع الجوانب ويفشل في تلقين الطفل لغته الأم فشلا ذريعا.

تركيا مع لم تبقى حبيسة العالم العربي والإسلامي،بل تجاوزته الى العالمية بأعمال ذات صبغة عالمية بلغات عالمية،وهي مساعي قديمة تتجدد، ومطامح الدولة العثمانية تحيا في الوقت الراهن،.

إن تركيا الحالمة بالعودة الى الريادة عالميا كما كان في العصر العثماني، تعمل على تحسين صورتها العالمية،لأن أي نهضة اقتصادية او صناعية تحتاج عادة الى ثقافة مدروسة تعمل على نشر الإيديولوجية المصاحبة لها،لتجد لها اقبلا وتحقق ارباحا كبيرة.

ختام القول وزبدة المقال ان تركيا خدمت نفسها بهذه الأعمال الدرامية وساعدت اقتصادها على النمو ولم يكن يهمها من العرب والمسلمين إلا إقدامهم على السياحة والإقتصاد وغيرها مما يحقق لها ارباحا كبيرة،وأن هذه الأعمال ما هي إلا عزو فكري تمهيدي وثقافي لغزو يعيد أحلام الإمبراطورية العثمانية.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق