مدونات

“المساء” من اليأس إلى الأمل

سلمى.. بماذا تفكرين؟
سلمى.. بماذا تحلمين؟

في ذاك المساء، كم كنت متعبة، صبت الحياة جميع متاعبها فوق عاتقي، أريد فقط الاسترخاء والراحة، والابتعاد عن كل شيء، وكعادة أي فرد منا غرفته هي الملجأ، ذهبت إلى الغرفة لأرمي نفسي على السرير، وأحدق بكل شيء وبلا شيء، وأفكر كثيرًا، كنت مرمية على السرير دون حراك سوى عيني، فلمحت على الكنبة التي بجانب سريري كتاب وبخط جميل مكتوب عليه “ديوان الجداول” وبالأسفل إيليا أبو ماضي، هل هذا فعلاً وقت مناسب لأقرأ لإيليا؟ لطالما أحببت القراءة له لكن الآن أنا متعبة وكئيبة، وإيليا شاعر التفاؤل والفرح، ولست قادرة أن أسمع أي نصيحة عن التفاؤل والفرح الآن، ومن باب الفضول فقط قلبت صفحات الكتاب بسرعة، استوقفتني جملتين فقط “سلمى.. بماذا تحلمين؟ سلمى ..بماذا تفكرين؟”

حقا؟ هل يتكلم معي، صدفة جميلة فأنا سلمى أيضًا، نظرت لاسم القصيدة “المساء”، نعم أظن أنه اسم كئيب، أو شعرت بذلك لأنني دائمًا انتظر المساء لأبقى وحدي بعيدة كل البعد عن كل الأشياء، المساء يعني الشيء المعتم الوحيد المظلم، إذاً بإمكاني قراءة القصيدة أظن عندما كتبها إيليا كان قد استسلم لليأس.

لحظة! لو كان يسألني أنا بماذا أفكر وبماذا أحلم بماذا سأجيب؟
أفكر؟ لم أعد قادرة على التفكير يا إيليا، وأحلم؟ لقد سرقوا أحلامي أيضًا يا إيليا، سأقول له طالما كنت فتاة ذات أحلام وطموح عالٍ، لطالما تمنت الأخريات أن يكن مكاني، لطالما كنت قادرة للوصول لتلك الأحلام، لطالما حققت الكثير منها، لكن وبدون أن أشعر فقدت كل شيء، ليس ذاك الموجع يا إيليا، الموجع أكثر أنني عندما ظننت أنني بدأت بتحقيق أكبر أحلامي، وأنني وصلت لجميع طموحي، اكتشفت أنه السراب، هل شعرت بألمي يا إيليا؟

قلت لي: هذا غير مقنع لتكوني بكل ذاك الألم -لطالما كنت يا إيليا متفائلاً وساخرًا من أحزاننا- ،أِنت الوحيدة المسؤولة عن سعادتك.
لم أرد عليك، سرحت في تفاصيل وجهك ونظرت مطولاً في عينيك، قلت لي: انظري حولك ما أجمل الطبيعة والسماء والأشجار، كل هذا العالم الكبير الواسع لكِ وحدك، وأنتِ هنا لتشتكي، لماذا لا تجيبين أنا أحدثك، كم من الجمال حولك ولكنك أنتِ اخترتِ الحزن والكأبة.
قلت لك: “إن للصمت في المآتم معنى”
قلت لي: “كن جميلاً ترى الوجود جميل” .
هنا رجعت إلى عالمي، إذًا حان وقت قراءة تلك القصيدة التي أحببت اسمها “المساء”، هل إيليا شعر يومًا بالكآبة مثلي أم اختار المساء ليقول لي أيضًا أنه حتى المساء هو التفاؤل والجمال؟ فتحت القصيدة وبدأت بالقراءة، “السحب تركض في الفضاء ركض الخائفين، والشمس تبدو خلفها صفراء عاصبة الجبين، والبحر ساج صامت فيه خشوع الزاهدين، لكنما عيناك باهتتان في الأفق البعيد، سلمى…بماذا تفكرين؟ سلمى…بماذا تحلمين؟”

فعلاً؟ هل إيليا استسلم للحزن والكآبة؟ هل هو يشعر حقًا كما نحن نشعر؟ هذا شطر كامل ولم أرى التفاؤل به، أكملت وعلى وجهي ابتسامة خفيفة، أعتقد أنها الانتصار؛ لأني ولأول مرة أشعر بأن إيليا حزين، أكملت الشطر الذي يليه، توقفت، كأن إيليا بدأ يتفائل، أكملت الشطر التالي والتالي والتالي، اختفت ابتسامة النصر عن شفتاي، قل لي يا إيليا كيف استطعت أن ترى كل ذاك الجمال في كل شيء من حولك؟ كيف استطعت أن تكون بكل ذاك التفاؤل وكل ذاك الفرح عند الحزن؟ كيف تفعل ذلك؟ تتحد مع الطبيعة دائمًا وتصورها بأجمل العبارات وأروع الصور، مما يجعلني أذهب بخيالي بعيداً إلى غابات فيها النهر، والمستنقعات، والهضاب، وتلك العصافير، والعندليب، نسيت حزني وبدأت أتصور كل ذاك الجمال، قرأت الشطر الأخير، لامسني كثيرًا ذاك البيت “مات النهار ابن الصباح، فلا تقولي كيف مات،إن التأمل بالحياة يزيد أوجاع الحياة”، هل مشكلتي التأمل أكثر من اللازم؟

أنهيت تلك القصيدة وأقفلت الكتاب، ورميت نفسي على الكنبة ويوجد شعور غريب يراودني، ما بين التفاؤل وبين التشاؤم، فانتبهت بأن الشمس غربت وحل المساء، نعم لقد مات نهاري اليوم، كنت مقتنعة بأن إيليا كان يعرفني؛ لذلك هو كتب تلك القصيدة وجعلني البطلة فيها، إنه فعلاً يصف حالتي ويشجعني على التقدم والتفاؤل في الوقت الذي بحاجة به إلى أي كلمة بسيطة؛ لأقدر على مواجهة كل تلك المصاعب.

ثم من آتى بذلك الديوان ووضعه على الكنبة بغرفتي هل هذه صدفة؟ يالها من صدفة جميلة!
بدأت أفكر وأتأمل بحياتي متناسية أن التأمل بالحياة يزيد أوجاعها، أو كنت أريد التأمل لكي أثبت لنفسي أني سعيدة، وأثبت لإيليا أنه ليس الوحيد القادر دائماً على التفاؤل والسعادة، أحسست بتحد بيني وبينه، إذن سأبقى متفائلة، هذا تحدٍ بيني وبين نفسي قبل أن يكون بيني وبين إيليا، بدأت أتأمل وأفكر بحياتي، والآن بدأت أفكر بإيجابية، بدأت أحصي ما عندي من مميزات لا توجد عند غيري، يا إلهي هل كل ذلك عندي وأنا حزينة ومتشاؤمة؟! (صحة، عائلة، منزل، أصدقاء، شهادة جامعية، عمل) والكثير من النعم التي لا تحصى، وما المانع فى أن هدفًا من أهدافي لم أستطع الوصول إليه، وساقني القدر إلى أماكن وأشخاص كنت أتجنبهم دومًا؟، ليست تلك المشكلة، المشكلة أن استسلم وأرضخ إلى ذلك، قادني القدر إلى ذلك ولن أستطيع التراجع، ولكنني أعد نفسي قبل أن أعدك يا إيليا، أن أشق طريقي في ذلك الطريق الذي ساقني إليه القدر، وسأبدأ حياتي وإنجازاتي من هذا الطريق.

وسأكتب وأتحدث مثلك عن الأمل والتفاؤل والحياة الجميلة، سأزرع بكل فرد يقرأ لي أو يسمعني حب الحياة والتشجيع على العمل، سأنزع الطاقة السلبية منهم، وأزرع الإيجابية؛ ليروا الحياة بأنهارها وجبالها ووديانها، ليروا كيف العصافير تزقزق، ليستمتعوا بكل مشهد كنا نظنه عاديًا، ليتعلموا كيف يشقون الطرق ويفتحون الأبواب المؤصدة في كل مرة تضعهم الحياة أمام اختبار صعب، جميعنا يستطيع الوصول، جميعنا نستطيع التأثير، فقط هي خطوات بسيطة ننجزها فننجز ونحقق الكثير.

ختمت تلك القصيدة وأنا بكامل التفاؤل والفرح، قرأت آخر الأبيات بصوت مرتفع والابتسامة مرسومة على شفتاي، لكن الآن ابتسامة الرضا والفرح.

(فدعي الكآبة والأسى واسترجعي مرح الفتاة، قد كان وجهك في الضحى مثل الضحى متهللًا فيه البشاشة والبهاء، ليكن كذلك في المساء)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق