ثقافة وفنون

المرأة لدى نزار قباني.. صاحبة منزلة متأرجحة

يعد نزار قباني أكثر شعراء العصر الحديث كتابة عن الحب والمرأة، فقصائده غناها أشهر مطربي الوطن العربي مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفيروز ونجاة الصغيرة وكاظم الساهر وغيرهم من مطربي الوطن العربي ويرجع البعض ذلك إلى قصة أخته وصال والتي لم تستطع الزواج من حبيبها فانتحرت أو قتلت حسب بعض المصادر، ويبرر نزار قباني انتحار أخته في كتابه قصتي مع الشعر ” كلنا نعاني هذه الحساسية المفرطة أمام أشياء الجمال ..كان أبي إذا مر به قوام امرأة فارعة ينتفض كالعصفور وينكسر كلوح الزجاج ..فأنا من أسرة تمتهن العشق ” فعائلته لديها حساسية مفرطة تجاه الجمال والحب، فهي تقدس الحب تقديس يصل للانتحار كما فعلت أخته وصال لعدم استطاعتها الزواج من حبيبها.

وقد عبر نزار عن انتحار شقيقته بقوله ” قتلت نفسها بكل بساطة وبشاعرية منقطعة النظير لأنها لم تستطع أن تتزوج حبيبها .. صورة أختي وهي تموت من أجل الحب محفورة في لحمي” فنشأة نزار جمعت بين الرومانسية والألم، جمعت بين الشيء ونقيضه، وبين الجمال و القبح .

ولعبت نشأة نزار في بيئة ميسورة الحال ومترفة دورًا بارزًا في كتابته، كذلك حصوله على وظيفة مرموقة في الخارجية مكنته من التنقل بين البلدان المختلفة أثرت في وجدانه وجعلت قصائده تميل للرومانسية سواء بقصد أو بدون، لكن نزار في كتابته لسيرته الذاتية نفى معرفته لسبب تواجد المرأة في شعره ” لا أعرف لماذا اخترت المرأة والغزل موضوعًا أساسيًا لفني.. هناك أنواع من الضغوط الداخلية لا تعرف تفسيرًا لها ” ولعل قول نزار هذا هو ما جعل الدكتور حامد زاهر في كتابه الصحة النفسية والعلاج النفسي يرجع ذلك إلى ظاهرة تسمى بأسلوب التداعي الحر فهو يرى أن نزار وقع تحت تأثير ظروف نفسية جعلته يطلق العنان إلى مكنونه المكبوت في اللاشعور unconsciousness واستدرجها إلى حيز الشعور consciousness فهو ينقل المكبوت بداخله دون قصد كحديث الحق الخارج دون قصد أثناء الحديث فهي زلات لسان استخدمت القلم بدلًا من اللسان، لكن هذا التفسير النفسي لكتابة نزار قباني تجاه كتاباته حول المرأة لا يمكن اعتباره رأي صائب بنسبة مائة في المائة فالبيئة التي نشأ بها نزار كانت محبة للجمال والحب وهو ما عبر عنه في بدايات كتابه قصتي مع الشعر.

لكن تفرغ نزار بوصف المرأة بالغزل الصريح والولع بمفاتن جسدها استحوذ على معظم كتاباته بطريقة تفوق اهتمام جميع شعراء عصره وهو ما يجعلنا نميل للرأي القائل بأن القصيدة هي تعبير مباشر عن قيم فكرية و اجتماعية وتنفيس عن أزمة نفسية تعرض لها الكاتب فهو أسير لضغوط تاريخية لم يستطع التخلص منها إلا من خلال سفره المتكرر، لكن تخلصه من هذه الضغوط لم يكن نهائيًا بل ظل به نسيج متواصل لا يمكن قطعه.

فنزار ولد في دمشق حيث الطبيعة الخلابة وسحر الوجود كما أن وجوده وسط أسرة ميسورة الحال وقاه من شر العوز فكان صافي الذهن سارح بخياله في جمال بيته وهو ما جعله يشبهه بالجنة حيث النوافير والزهور وأصوات الطيور الساحرة للأذن علاوة على الزهور التي تملئ عطورها البيت من كل مكان وهذا يكفي لإشعال الحس الرومانسي لديه.

فالبيئة لعبت دورًا هامًا في تكوينه الشعري سواء أكانت في المدرسة أو البيت علاوة على طبيعة عمله وسفره الشبه دائم بين البلدان العربية والأجنبية مما مكنه من الإطلاع على ثقافات وحضارات مختلفة وهو ما أكسبه الجرأة في التعبير عن عشقه للنساء وغرائز الحب، وهو ما دفعه في بدايات شعره إلى الكتابة ذات التوجهات الجنسية فكان شعره فاضح تعرض لجسد المرأة وأعضاءها. ولو حاولنا إيجاد مبرر آخر لهذا التوجه لكانت حادثة انتحار أخته وصال هي المحرك لها علاوة على ما أصابه من نوبات الدهر فكان لديه مخزون من الصراع النفسي تجاه هذه الحوادث خرج على هيئة أبيات شعرية فكانت تعبيراته حادة تدعو إلى التحرر من القيود على نحو :
فضاجعي من شئت أن تُضاجعي

ومارسي الحٌبَّ…على أرصفة الشوارع
يحاول نزار منع تكرار ما حدث مع أخته سواء أكان قتل أم انتحار فهو يشير إلى أن ممارسة الحب ليست بجريمة وأن أخته لم تفعل شيء خارج عن مألوف البشرية لكن قيود مجتمعه ترفض هذا وهو ما دفعه للثورة على هذه الثوابت معبرًا..

لماذا لا يكون الحبُّ في الدنيا ؟

لكل الناس ..كل الناس.. مثل أشعة الفجر
لماذا لا يكون الحب مثل الخبز والخمر ؟

يدافع قباني عن الحب ويحاول إسقاط أمطار الحب على سماء الشرق فهو طالب بتحرير المرأة من هيمنة المجتمع فيطالبها بالتحرر من أغلال الحب والجنس والثورة على السلطة الذكورية :

ثوري أحبك أن تثوري
ثوري على شرق السبايا ..والتكايا ..والبخور
لا ترهبي أحدًا فأن الشمس مقبرة النسور
ثوري على شرقِ يراكِ وليمة فوق السرير
لكن هذه الثورة التي يطلبها قباني للنساء حتى لا يقعن فريسة فيها للقيود العقائدية و المجتمعية نجد شعره يحمل في طياتها التناقض؛ فهو يطالب بالحرية وتكريم منزلتها وحقها في التمتع بالحب والحرية، بينما في قصيدة أخرى يشبه فيها جميع النساء بالجواري الركع تحت أقدام الجنس والنخاسة مشبهًا نفسه بالفارس الذي زرع رايات نصره على أجساد النساء..
لم يبق نهدٌ أسود أو أبيض ..إلا وزرعت بأرضه راياتي
لم تبق زاوية بجسم جميلة ..إلا ومرت فوقها عرباتي
فصلت من جلد النساء عباءة ..وبنيتُ أهراما من الحلمات
نجد منزلة المرأة متأرجحة فتارة يرفعها إلى منازل السمو والرقي ويدعوها إلى الثورة على العبودية، وتارة أخرى يختصرها على الفراش فقط، ثم يعود ليتساءل كيف قتلت هذه القيم الحب عند النساء وهو ما دفعه إلى قوله :

ثوري على شرق السبايا ..والتكايا ..والبخور

ثم تارة يشبه نفسه بغازي استولى على أجساد النساء وفصل من جلدهم عباءة الجنس، فمفهوم المرأة والحب لديه متذبذب بين الإيجاب والسلب وبين التجريد والتجسيد. وإذا رجعنا إلى مفهوم علم النفس لوجدنا أن الأحداث التي تعرض لها قباني لعبت دورًا هامًا في هذا منها مقتل زوجته بلقيس جراء حادث إرهابي في السفارة العراقية .

شهدت هذه الفترة تحول في شعر نزار ككل فدفة شعره انتقلت إلى دفة الشعر السياسي، علاوة على تحول صورة المرأة من الجنس والاستغلال إلى منزلة الوجدان والقيم والفضيلة فترك جسد المرأة ليذهب إلى رثائها..

شكرا لكم ..فحبيبتي قتلت

وصار بوسعكم أن تشربوا كأسا على قبر الشهيدة ..

وقصيدتي اغتيلت وهل من أمة في الأرض تغتال القصيدة ؟

لتنتهي قصيدته : وسيعرف الأعراب يومًا أنهم قتلوا الرسولة

هنا يظهر التمجيد مرة أخرى للمرأة بتشبيهها بالرسولة صاحبة رسالة السلام، ولعلنا نرجع هذا التحول إلى تلك الحوادث فصورة المرأة في شعره ارتبطت بعلاقة نزار نفسه مع المرأة ففي حالة أخته يطالب النساء بالثورة على القيم القاتلة والمعتقدات الهادمة، وفي حالة انفصاله يفصل من جلد النساء عباءة، وفي وفاة بلقيس زوجته يدخلها في منزلة القديسين، فصورة المرأة في شعر نزار لم تحتفظ بصورة واحدة .

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى