علوم وصحة

المرأة النرجسية

 في مجتمعاتنا الشرقية وعلى اختلاف عاداتها وتقاليدها، تُشعِرك تلك المجتمعات بأن المرأة كائن ضعيف، وإن صحّ التعبير أضعف من الرجل ولذلك ليس هناك شيءٌ معيب في أن تلجأ إلى امرأة مثلها عندما تشعر بضيقٍ ما لتشكي وتحكي همها.

ولكن هل المرأة النرجسية تقوم بذلك؟ هل تشعر بالضعف؟ وإن شعرت هل يمكن أن تلجأ إلى أحد لتحكي وتعبر عما يطفو في خلدها؟ هذا ما سنناقشه اليوم باستفاضة.

الشخص النرجسي عمومًا” حبيس نفسه يشعر بأن روحه وأفكاره حبيسة في جسد مادي وأن هذا الجسد لا يمكن أن يحقق له ما يطمح إليه، فيحلق بأفكاره حتى يوازي الغيوم ويبتعد عن الواقع ودوما” تكون طباعه وتصرفاته وردات فعله فائقة وتجاوز الحد الطبيعي على الدوام.

تشعر المرأة النرجسية بأنها أفضل وأنجح وأجمل امرأة في العالم، هي من وضعت تلك المقاييس لنفسها فلا يمكن لأحد أن يرى الآخر بمثل هذه المقاييس المثالية إلا إن كانت أمك التي ولدتك أو أحد يحبك إلى حدّ كبير، وحتى بهذه الحالة سرعان ما تتوضح الرؤية لاحقا”، فنحن البشر بطبيعتنا  نسعى إلى الكمال والمثالية على مرّ الزمن إلا أننا لا نبلغها وإن بلغنا بعضا” منها فقد يكون ذلك ما تراه بنفسك أنت أو ما يراه أحد ما فيك إلا أن الناس مجتمعين لن يروك مثاليًا “على هذا النحو. فكيف يمكن للشخص النرجسيّ أن يرى نفسك كاملًا” لا تشوبه شائبة وهل يمكن للإنسان أن يتطور إن رأى نفسه بهذا الشكل؟!

يمكن أن لا تشعرك المرأة النرجسية بأنها كذلك خوفًا” من النفور منها إلاّ أنك عندما تباغتها ببعض الكلمات اللطيفة التي تسعد قلبها وترضي غرورها وترفق بعدها ملاحظة” صغيرة” عن تسريحة شعرها أو فستانها أو عملها أو ما شابه فإنها ستنظر إليك بحدة وتتغير ملامحها، نعم لقد ارتكبت خطأ” جسيما” الآن دون قصد، فكيف تجرؤ على أن تنتقد أفضل وأجمل وأنجح امرأة في العالم!

إن كانت شريكتك في الحياة أو في العمل نرجسية فعليك أن تعرف مسبقًا” بأن توافقكما في الآراء يكاد صعبا” إلى حدّ ما، فعند دخولكما في نقاش حول أمرٍ ما ومحاولتكما النقاش وطرح أفكار للتوصل إلى نتيجة متفق عليها من شخصين يعتبران طرفين أساسيين في هذه العلاقة على حدّ سواء، فسيكون هذا النقاش عقيما” لا بل ساذجا” لأنها قد تستمع إلى آرائك وأفكارك إلا أنها في حقيقة الامر لا تفهمها ولا تعيرها أي اهتمام حقيقي فهي قد حسمت الأمور في قرارة نفسها وانتهى الأمر!

فيقال بأنّ من أهم الطرق الفعّالة للتعامل مع الشخصية النرجسية هو عدم الدخول في نقاش معها أو مخالفتها الرأي بخشونة بل يجب عليك احتواءها وتفهمها على الدوام حتى لو كانت على خطأ، وبالطبع هذا شبه مستحيل في العلاقات الزوجية لأنها العلاقة الزوجية هي علاقة تشاركية لطرفين يستثمران في هذه العلاقة معا” وبمجرد انفصال هذا الكيان إلى كيانين مختلفين لا بل متناقضين فهذا نذير سوء بأن العلاقة مصيرها الفشل لا محالة. بيد أنه يمكنه تجاوز الأمر أحيانا” وليس دائما” مع شركاء العمل النرجسيين منهم.

الأنانية صفة غالبة على شخصية من هذا النوع، فهي تجيد إغفال الآخرين ومشاعرهم ومصالحهم ووجودهم ككل، ودوما” يجب أن تكون المستفيدة الأكبر من كل لحظة تمر في حياتها أو كل موقف لا بل وتسعى إلى استغلال عاطفة الحب التي يكنّها الناس لها بدلا” من مبادلتهم هذه المشاعر النقية. فإن الحياة من وجهة نظر المرأة النرجسية هي ساحة حرب ودون أن تدور فيها معارك طاحنة عليك أن تعرف بأن النتيجة محسومة لصالحها.

لا بد وأن تكون المرأة النرجسية جاذبة للأنظار في أي مكان تتواجد فيه فهي تسعى إلى اقتناء ملابسها وعطرها وأحذيتها بدقة كبيرة، مقتنياتها على الأغلب لافتة للنظر وغالية الثمن بعض الشيء. في بداية الأمر هي حقا” تجذب أي شخص لها بسب أناقتها وخطواتها الواثقة إلا أنك لن تستطيع معها صبرا” فما تلبث أن تتقدم منها بضع خطوات حتى تكتشف عنجهيتها وتكبرها اللامحدود وافتقارها للتواضع وعدم تركها مساحة كافية لك لتعبر فيها عما تفكر فهي دوما” سيدة الحديث!

تتحدث المرأة النرجسية دوما” عن إنجازاتها وما حققته وتفكر في تحقيقه وثقتها الكبيرة بأنها بعيدة عن الفشل ولا تعرف معنى الخسارة وأن أي محاولة ستقوم بها سيكون النجاح حليفها، وبالطبع هذا وهم كبير فمن لايفشل لن يعرف طعم النجاح.

بعض ماقد تفعله يمكن أن يكون بسيطا” وعاديا” إلا أنها لا تتوقف عن تهويل الأمور وأنها فعلت شيئا” لايمكن لأحد أن يقوم به!. كلنا كبشر نحب الثناء ونجد بأننا نستحقه عندما نبلي حسنا”، بل نشعر بأنه جزء من نجاحنا ولاريب في هذا الأمر، ولكن الشخصية النرجسية تغوى المديح على الدوام فيجب عليك أن تغدق الكلمات اللطيفة عليها على الدوام وتشيد بها وتتغنى بما قد أنجزته فكلما زدت من هذا المديح أحبتك أكثر وشعرت أنك مقرب منها، لكن احذر فهذا لا يعني أنها ستكوّن صداقة معك لتتقاسما أحزانكما وتكونا سندا” لبعضكما، بل لكي تغدق عليها بكلمات المديح تلك على الدوام!

دوما” تجد المرأة النرجسية أحدا” لتتهمه تمامًا” كما البوصلة يدور مؤشرها ليجد طريقه نحو الشمال. إصبع الاتهام تلك موجهة ناحية كل شخص يقوم بتوجيه أي ملاحظة لها أو انتقاد، حيث لا يحق لأحد انتقادها بينما يحق لها انتقاد الجميع دون استثناء وبطريقة قد تكون جارحة بالنسبة للكثيرين لا بل مدمرة نفسيا”.

عندما يكون البشر الطبيعيون عموما” محاطين بأشخاص يقدمون لهم الحب والحنان والعطف فإننا نشعر في داخلنا بأنه لا بد من مبادلتهم تلك المشاعر دون تكلّف فهم يستحقونها لا محالة، بينما المرأة النرجسية تشعرك بأن هذا هو واجبك اتجاهها وأنك لا تفعل سوى ما أنت مكلّف به وإن لم تفعله فانت مخطئ و هذا تقصير اتجاهها لا بد من أن تعاقب عليه ربما بنفيها لك من حياتها أو تجاهلك بالكامل، مع أنها لم تكن تهتم بك كثيرا” في الأصل! لذلك لا تنتظر منها أي كلمات شكر على معروف قدمته أو حتى هدية.

قد تظن أن الأشخاص النرجسيين اجتماعيين إلا أن هذه الفكرة خاطئة إلى حدّ ما، فهم محاطين بالكثير من الأشخاص والوجوه الجديدة ولكن لهذا سبب لا علاقة له بأنهم اجتماعيون ويحبون تكوين علاقات اجتماعية متينة مع الأشخاص وبناء صداقات طويلة الأمد، بل لأنهم بحاجة إلى اهتمام كبير جدا” ولا يكفيهم أن يكونوا محاطين بشخص أو اثنين أو حتى عشرة بل يجب ان يكون هنالك أفواج من الناس في حياتهم على أرض الواقع وكذلك الكثير من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي. وبالطبع كلما تعددت المصادر، تم إرضاء الغرور بشكل أكبر.

تلعب هذه المرأة  دور الضحية دائما” وتخبرك بالكثير من القصص التي قد تجعلك تتمزق وتنزف حزنا” عليها آملة منك أن تعوّضها عن كل ما قد مرّت فيه من صعاب.  والأسوأ من ذلك عدم الشعور بالذنب إزاء كل ما تفعله بل على العكس تشعر أنها فعلت الصواب تماما”!

عند وقوعك في بعض المشاكل مع المرأة النرجسية وتكون هي المسبب الرئيسي بحدوث هذه المشكلة وتناقشها بهذا الأمر لتريها بأنها هي من كانت على خطأ وبالتالي تكون قد وضعتها في خانة اليك، فبدلا” من أن تعترف بخطأها وهذا نصف الاعتذار وتأسف ببعض كلمات الاعتذار عما حدث فإنها تلقي باللوم عليك لا بل يمكن بطريقة أنثوية ناعمة أن تقنعك بأنك أنت من دفعتها إلى القيام بذلك وبالتالي أنت المسبب الفعلي لهذه المشكلة!

كلنا نملك من العيوب والعقد ما يكفي إلّا أنّ حياتنا معقدة بما فيه الكفاية، ودومًا” نسعى إلى بناء علاقات اجتماعية لعلّنا نخفف من وطأة وحدّة ما نمر به، لذلك أعتقد بأن النرجسي ليس أفضل خيار لك لتتخلص من مشاكلك بل على العكس فهو يشكل خطرا” حقيقيا” على صحتنا النفسية والجسدية وبالتالي إن تخلصت منه أو تجنبته أفضل من إجبار نفسك على الدخول في دوّامته التي تأبى التوقف.

أحط نفسك دوما” بأناسٍ لطفاء فالحياة أصعب من أن تعيشها بدون هؤلاء.

Farah Diba

خريجة ترجمة لغة انكليزية، مهتمة بتعلم اللغة الفرنسية، مترجمة من وإلى اللغتين العربية والانكليزية، مدوّنة حرّة، قارئة من الدرجة الأولى

‫2 تعليقات

  1. أحط نفسك دوما” بأناسٍ لطفاء فالحياة أصعب من أن تعيشها بدون هؤلاء.
    مقالة جيدة وجميلة بالتوفيق صديقتي فرح farah dibah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى