مدونات

المدينة الفاضلة وفصل المقال!

المدينة الفاضلة

عندما نسمع اسم المدينة الفاضلة قد يتبادر إلى ذهنك رواية أحمد خالد توفيق “يوتوبيا” و التي تنتهي بالفتى المدلل يطلق النار على حشود الفقراء الغاضبة، أو ربما قد يتبادر إلى ذهنك المدينة الفاضلة لأفلاطون، و لكن قلما يتبادر إلى ذهنك المدينة الفاضلة لأبي الحسن الفارابي. لم يدخر الرجل جهدًا ليسوق الأدلة العقلية سوقًا ليثبت وجود الخالق و ينفي عنه -عز و جلّ- الشريك والضدّ ،ثم يكتب عن تصوّره للمدينة الفاضلة والتي يترأسها النبيّ أي أن الدولة التي يتصورها الرجل هي دولة ثيوقراطية كما يدعوها أهل الحنكة الذين يحبون تلك الكلمات الصعبة على غرار البيوقراطية و التكنوقراطية، والثيوقراطية تعني الدولة التي تكون سلطتها دينية ببساطة. و برغم ذلك إلا أن الرجل قد اتُهم بالكفر. مات الفارابي و نهج فلاسفة الأندلس نهج ليس ببعيد عنه.

فصل المقال

هناك في الأندلس ابن رشد يكتب كتابًا عنوانه “فصل المقال لما بين الحكمة والشريعة من اتصال”. كتب فيه أن الدين حق وأن الحكمة حق و أن الحق لا يحق له أن يخالف الحق، و يتكلم كشيخٍ ورعٍ تقيّ يجمع بين الدين و الفلسفة إلا أن الرجل قد قيل عنه أنه فاسد الفكر مهترئ المنطق ضالٌ مضل. ابن رشد له تمثال في قرطبة و تظهر صورته في لوحة مدرسة أثينا ونستطيع أن نفهم سبب ذلك ففلسفته ذاع صيتها في أوروبا، لكن ما أعجز عن فهمه أن الرجل اليوم له شعبية كبيرة بين الملحدين وكأنهم قد قرأوا كتابه على أنه “فصل المقال لما بين الحكمة و تشارلز دارون من اتصال”.

حي بن يقظان

و ابن طفيل الذي كتب رواية “حي بن يقظان”. حيّ كان له أم صنعت به صنيع أم موسى فوضعته في اليم فألقاه اليم حيثما ألقاه و كما تتوقع أنت الآن فقد ألقى به اليم في جزيرة نائية بعيدة لا بشر فيها، تمر الايام و يبلغ أشده، و يبدأ عقل حي في طرح اسئلة و البحث عن اجاباتها و لا علم عنده و لا كتاب مبين، و لكن يستطيع حي أن يهتدي للحق مهتدياً بفطرته و بعقله، ثم ينعزل حيّ عن كل شيء ليتفرغ لمعرفة الله،و لكن رغم كل ذلك لم يسلم الرجل أيضًا من اتهامات الضلال و الفسق.

منسوبون لغيرهم

ربما قد تكون عزيزي القارئ وصلت إلى تلك النقطة من المقال ولم تفهم مرادي، و ربما تكون قد توقعت أنني هنا أبرئ الفلاسفة المسلمين و أقول أنهم خير أمة أخرجت للناس، و لكني لا أقول ذلك، بل أقول إنهم تكلموا كثيرًا في غيبيات لا علم لي ولا لك ولا لهم بها، لكن من أعطى ذلك الحق لأولئك الذين كفروهم و أنسوا ذكراهم. كانت نتيجة ذلك أننا اليوم نرى بعض الناس يؤمن أن العلم ملك حصريّ للأوروبيين، و أن العرب لم يكن بينهم من يفكر، لماذا نصيح و نلوم غيرنا و نحن من أنسى ذكر الفلاسفة و العلماء ؟ فهذه بضاعتنا ردت إلينا.

لم يسلبنا أحد إلا بعد أن سلبنا أنفسنا. فترى البعض يحاول اجتزاز هؤلاء من الثقافة الإسلامية و نسبهم لما دونها إلا إن هؤلاء العلماء و الفلاسفة كانوا جزءًا لا يتجزأ من المجتمع الإسلامي في الأندلس الأموية و بغداد العباسية ولا يُنسبون لغيره. و إن بغداد العباسية و الأندلس الأموية لتختلف كثيراً عن بغداد اليوم و الأندلس الكاثوليكية. الأندلس الأموية اتسعت للمسلمين و للأسبان معًا و زادت اتساعًا فاتسعت لليهود كذلك، أما الأندلس الكاثوليكية فضاقت بالناس جميعًا. بغداد العباسية كانت تتسع بأهلها و لأهلها أما بغداد اليوم فأهلها قد آسفوها فإذا هي تضيق بهم ذرعًا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى