مدونات

المدرسة: طرف فاعل رئيسي في معادلة الصحة

الجميع يؤكد ذلك، تعتبر الصحة نتيجة تفاعل مجموعة كبيرة من العوامل الفردية والاجتماعية والبيئية. في الحقيقة، تلعب وضعيتنا الاجتماعية وإمكانياتنا المالية وعاداتنا والبيئة المحيطة بنا وظروف عيشنا وكذا التعليم الذي نتلقاه دوا مهما. فإلى جانب الأسرة والمجتمع، تقع المدرسة في الخطوط الأمامية للمساهمة في إعطاء الجميع الوسائل لتولي العناية الذاتية بالصحة بشكل مستقل ومسؤول.

يُساهم التعليم بحد ذاته في تحسين الصحة، حيث يوفر للأطفال والمراهقين إمكانية الحصول على مجموعة واسعة من الكفاءات وبالتالي التأثير على صحتهم. فالإلمام بالقراءة والقدرة على البحث وفرز المعلومات والتوفر على معارف حول الجسم كلها عناصر تتيح لكل فرد تولي مسؤولية العناية بصحته الخاصة. وإذا لا تتفاعل المدرسة مع جميع العوامل المحددة للصحة، فإنها تتفاعل مع غالبيتها، إذ تمر جهودها عبر الدروس المقدمة والحياة المدرسية، كما أن الصحة تعد كذلك شرطا أساسيا لنجاح جميع الأطفال والمراهقين، حيث إن خلق بيئة مادية وسيكولوجية مواتية (مناخ دراسي وبنايات والتأهيل…) وإمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية والاجتماعية (كشف صعوبات التعلم ودعم الأطفال الذين يظهرون مشاكل صحية) تمثل عناصر جوهرية. في الواقع فإن المدرسة، بوصفها بيئية معيشية تحتضن الأطفال والمراهقين الفرنسيين لأكثر من عقد من الزمن وفضاء تربويا متميزا، تساهم في تحسين الصحة.

من التعليم التقليدي إلى التربية

إن التربية الصحية في المدارس ليست أمراُ جديدا بأي حال من الأحوال. فابتداء من الدروس الأخلاقية حول النظافة الصحية والسل وإدمان الكحول في نهاية القرن التاسع عشر وصولا إلى إدماج التربية الجنسية في برامج سبعينات القرن التاسع عشر أو خلق أسلاك تعليمية مخصصة للصحة لجميع التلاميذ سنة [i]2016، كانت المدرسة وماتزال  أحد الأماكن الرئيسية للوقاية والتربية الصحية. في بداية القرن العشرين، كان الأمر يتعلق بالتثقيف الصحي، فقد ورد في أحد الكتب المدرسية التي تعود لعام 1920 أن ” النظافة يحب أن تُعلم في المدرسة الابتدائية كما في مدارس التربية؛ إذ عن طريق المدرسة وبفضلها ستتغلل فعلا في العادات”[ii]، حيث كان الهدف يكمن في حماية الأطفال، لاسيما أولئك اللذين ينتمون للطبقات الشعبية، من الآفات التي تهددهم. ولهذا الغرض، تم استعمال الخوف من المرض. أما اليوم فإن الرؤية مختلفة، إذ إن المقصود هو تعبئة المدرسة للقيام بكل ما من شأنه النهوض بالصحة عوض نقل المشاكل الصحية إلى المدرسة. لذا فإن التعليم المدرسي مدعو للاهتمام بالمشاكل التي تعاني منها أماكن التعلم سواء كانت داخل الأسرة أو الأقران أو في الحياة الثقافية أو الرياضية، خاصة أنه من المهم بمكان التذكير بأن تربية الطفل وصحته تقع في المقام الأول على عاتق الآباء.

التشجيع على اتخاذ خيارات حرة ومسؤولة.

لنأخذ مثال التربية الجنسية. حسب النصوص المؤسسية، فإن هذه التربية يجب تقود التلاميذ إلى تحديد الأبعاد المختلفة للجنسانية، وتنمية التفكير النقدي، لاسيما عن طريق تحليل النماذج والأدوار الاجتماعية التي يروجها الإعلام في ما يتعلق بالجنسية، وتعزيز التحلي بروح المسؤولية الشخصية، لاسيما السلوكات الوقائية وحماية النفس والآخرين، وكذا معرفة المصادر المخصصة للمعلومات والدعم والمساعدة.  ولذلك، فهي مبنية على مراعاة الجوانب المختلفة للجنسانية بوصفها مكونا للحياة البشرية، فاسحة المجال لمجموعة متنوعة من المقاربات، ضمن الإطار الأساسي لاحترام الكرامة الإنسانية (كرامة المرء والغير). ينص “العقد” على أن المدرسة لا تقول أنه ثمة طريقة “صحيحة” و”سيئة” لعيش الحياة الجنسية، بل تنوع يكمن الجانب الأساسي في احترام الذات والآخر وابتعاد انتقادي عن الصور النمطية. في المدرسة يرجع ما هو شائع، أما الأسر فيرجع لها ما يندرج في الخيارات التربوية في إطار تجذر ثقافي معين، وهذا هو الإطار الأخلاقي للتربية الصحية في المدرسة.

تستند مساهمة المدرسة كذلك على القدرة على اتخاذ خيارات مستنيرة ومسؤولة، حيث تتجسد نفس هذه الاستراتيجية في إدمان التبغ، وبحكم أن هذا الأخير قانوني في فرنسا فإن التدخين يقع ضمن الحرية الفردية (شرط احترام الآخر، لاسيما في ما يتعلق بمنع التدخين في الأماكن العامة). وإذا كان من المشروع أن المدرسة تقدم تعليما في هذا المجال، فإنه ليس لأنه مانع قانوني (مثلما هو الحال بالنسية للعقاقير المحضورة) بل باسم تصور الفرد والمواطن : إذ إن إدمان التبغ مثل المخدرات العقلية الأخرى يمكن أن يُسبب إدمانا واغترابا وفقدانا للحرية، كما أن لها تأثير كبير على الصحة. بذلك فإن المدرسة ترتكز على تطبيق نشاطات تتيح للتلميذ اكتساب مهارات تمكنه الحفاظ على حريته، بمعنى القدرة على اتخاذ خيارات مسؤولة. فالمقصود هو توفير الشخص السبل الكفيلة لجعله يعتني بنفسه ويكون في وضعية يمارس فيها مسؤوليته تجاه صحتيه الخاصة. هذا النهج لا يمكن إلا أن يكون مكملا لمقاربات تستهدف المحيط (منع البيع لصغار السن، تقنين الإشهار…) وظروف عيش الأطفال والشباب.

الصحة باعتبارها شرطا من شروط التحرر.  

ولكي تكون هذه الخيارات ممكنة، من المهم التوفر على معارف : معرفة الذات واحتياجاته، معارف متعلقة بآثار المخدرات المختلفة. غير أن ذلك ليس كافيا، إذ لابد من التوفر على القدرة على الاختيار والابتعاد عن ضغط الأقارب والقوالب النمطية (التي تربط الحشيش بمكانة الراشد أو بالحرية). إن هذا هو دور المدرسة  المتمثل في تنفيذ أنشطة تهدف إلى التذكير بالقانون (منع إدمان مؤثرات عقلية معينة) ونقل معارف علمية متعلقة بالمنتجات ووضع نظرة إيجابية حول الذات أو القدرة على مقاومة تأثير وسائل الإعلام والأقارب. ومن الممكن ترتيب غايات التربية الصحة في المدرسة حول هذه المحاور الثالثة. فمن جهة، إتاحة اكتساب المعارف والمهارات المتعلقة بالجسد والصحة، التطرق والسماح للتلاميذ بالتعبير عن مشاكل المجتمع التي تتضمن القيم والقوانين والمعارف العلمية. ومن جهة ثانية، المساهمة في تعلم المهارات الشخصية (معارف نفسية اجتماعية). وأخيرا، تنمية مقاومة سلطة المحيط لدى التلاميذ (القوالب النمطية، الإعلام، الأقران…)، ما يعني ضمنا أن تكون الصحة الشخصية على جدول الأعمال، وتتسم بكونها متأصلة اجتماعيا وثقافيا في الشخص وبأنها تظفي معنى على وجودها، إذ هي شرط من شروط التحرر وليست غاية في حد ذاتها.

المصدر : مجلة Sciences Humaines  الفرنسية عدد يناير – فبراير 2019.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ياسين ادوحموش

مترجم ومدون من المملكة المغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق