أسلوب حياة

المدرسة التي يشعر فيها المتعلم بسعادة التلمذة وحلاوة التعلم

لقد أضحى دور التربية والتكوين بالغ الأهمية في بناء شخصية الفرد وإعداده للتوافق مع متطلبات العصر واحتياجاته، حيث أصبح من حق المتعلم اليوم قبل أي وقت آخر وفي ضوء التحولات التكنولوجية الهائلة التي تسارعت في العقود الأخيرة أن يشعر أن المدرسة التي ينتمي إليها لا تختلف عن مؤسسات التنشئة الأخرى إن لم نقل أفضل منها؛ وذلك لأن وضعه في قلب المنظومة التربوية يعني تحسين تعلمه ومساعدته على اختيار المسارات الملائمة  لقدراته ورغباته، وكذا تلبية حاجياته النفسية والعاطفية والعقلية التي كانت الأسرة فيما مضى تسهر على تلبيتها قبل أن تتخلى عنها بفعل تعقد الحياة العصرية في زمننا الراهن وتعدد المسؤوليات والواجبات.

والجلي أن الوعي بتطلعات المتعلمين وميولاتهم ودراسة رغباتهم يقتضي بالأساس التوسل باستراتيجيات بيداغوجية جديدة لا تأخذ بمركزية النظر وتبعية الفعل له، لأن المتعلم لا تنتقل إليه الكفاية بالواسطة الرمزية المتمثلة في اللغة فقط  وإنما بإقحامه في الفعل وتحفيزه على القيام به ومساعدته مرارا وتكرارا إلى أن يتشرب روحه ويستبطن خطاطاته وهنا يمكن أن نتحدث عن الدراما كاستراتجية تعليمية تدفع المتعلم نحو تعبئة طاقاته الذهنية والوجدانية للانخراط الفعلي في مواجهة وضعيات جديدة لا تقبل الاستدعاء الآلي للمكتسبات السابقة فقط، وإنما تقتضي الوعي  والمساءلة والنقد والتنظيم والتخطيط حتى يتحقق الانتقال من مدرسة التلقين والتلمذة السلبية وبيداغوجيا التخزين والشحن والإلقاء والعرض والاستظهار إلى مدرسة البناء والتفاعل النشيط والانفتاح على الذات والمحيط القريب والبعيد.

وفي هذا المقام تجدر الإشارة إلى أنه ينبغي تفعيل الحياة المدرسية من خلال الأندية التربوية التي يقبل فيها المتعلمون على الانخراط التلقائي في نشاط معين يعملون على إنجازه تحت إشراف تربوي، مما يتيح لهم تكوين مجموعة من الخبرات والكفايات التربوية في جو يتسم بالتطوع والمبادرة والعمل الجماعي والتعاون، لأن أي مجتمع لا يمكنه أن ينشىء أجياله ويعدهم الإعداد الملائم المحقق لغاياته ما لم يكن له مشروع مجتمعي واضح المعالم ومخطط بعناية ويعتمد في بلوغه على المؤسسة المدرسية التي تجعل أنواع المعرفة وطبيعة القيم والمبادئ التي يتوقع أن يحملها المتعلم واضحة ومحددة.

كما تجدر الملاحظة إلى أنه يجب أن تتمحور مختلف الأنشطة التربوية حول المتعلم، ليس باعتباره مستهدفا فقط، بل طرفا في تحقيق كل الأهداف، مما يستدعي إشراكه في إعداد النظام الداخلي  وبرنامج العمل السنوي  ومشاريع القسم، وانخراطه في مجالس المؤسسة وأنديتها حسب رغباته و ميولا ته، إلى جانب حضوره المستمر والنشيط والمستمر، وهو ما يتطلب تحفيزه وتقوية حس الانتماء واستثمار قدراته، وترسيخ ثقافة الحقوق والواجبات لديه.

لأن متعلم اليوم يتطلع لمدرسة جديدة متطورة، تستجيب لأسلوب تعلمه وتتوفر على برامج وأنشطة مشوقة تحفزه على الانخراط والمشاركة الايجابية في التعلمات، وتوقظ  لديه الرغبة في التقدم المستمر. مدرسة يجد فيها مرافقين تربويين يقيم معهم علاقات إنسانية ويرشدونه المعلومات الجديدة والأصيلة التي تفيده في الحياة. كما يحتاج إلى مدرسة تواكب تكنولوجيا العصر وتتيح له الاتصال  بأخصائي اللغات وعلماء العلوم والمعارف التي يتعلمها، مما يجعل مكتسباته التعلمية حية ومشوقة، كما أن متعلم اليوم بحاجة  لمدرسة توفر له حاسوبا وبطاقة شخصية تسمح له بولوج مؤسسته التعليمية في أي وقت شاء مع استخدامه لمختلف وسائلها التربوية والتعليمية في تنمية معارفه وتوسيع مداركه.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عزيز غنيم

كاتب مغربي وأستاذ للفلسفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق