سياسة وتاريخ

المحرقة اليهودية.. من وسيلة للابتزاز إلى أداة للسيطرة

أحيا رئيس الوزراء الصهيوني “بنيامين نتنياهو” في الحادي والعشرين من يناير الجاري، الذكرى الخامسة والسبعون لإغلاق الحلفاء معتقل أوشفيتز البولندي، أكبر المعتقلات النازية خلال الحرب العالمية الثانية، والتي يزعم الصهاينة استخدام أدولف هتلر لها كمركز للتخلص من اليهود في ألمانيا وأوروبا، والتي نجح الصهاينة من خلالها في الترويج لحقهم في إقامة دولة لهم بعيداً عن القارة العجوز التي سامهم أهلها سوء العذاب.

كان يمكن لذكرى المحرقة اليهودية أن تمر مرور الكرام كما كانت العادة سنوياً، لولا ثلاثة أحداث ترافقت معها وجهت أنظار العالم إليها:

الأول: زيارة رئيسي دولتين عظيمتين لإسرائيل، بالإضافة لنائب الرئيس الأمريكي “مايك بنس”؛ للمشاركة في إحياء ذكرى المحرقة اليهودية، وهما الفرنسي “إيمانويل ماكرون” والروسي “فلاديمير بوتين”.

الثانى: تواصل الإعلامي السعودي “محمد سعود” مع نتنياهو خلال عقد الأخير مؤتمراً حزبياً قبل فترة وجيزة من الانتخابات العامة الثالثة.

الثالث: توجه وفد من رابطة العلماء المسلمين برئاسة السعودي “محمد العيسي” إلى بولندا، وإقامة الصلاة في مقر المعسكر السابق؛ كدلالة على تعاطف النظام السعودي مع المحرقة اليهودية المزعومة، كخطوة أولى على طريق إقامة علاقات بين تل أبيب والرياض، بعد سبعة عقود من انعدام العلاقات الدبلوماسية بين الكيان الغاصب وآل سعود.

المحرقة اليهودية

أما عن قصة المحرقة اليهودية التي دأب الصهاينة على روايتها، فتدعي قيادات الدولة العبرية أن النظام النازي في ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية، احتجز ملايين اليهود في المناطق التي احتلتها قواته في أوروبا، خاصة في أوشفيتز جنوب وارسو العاصمة البولندية، وأمرزريفت جنوب العاصمة الهولندية أمستردام، وماوفاوزن جنوب النمسا، قبل أن يتخلص النازيون من ستة ملايين يهودي حرقاً في أفران الغاز.

وكعادة الصهاينة عندما يصرون على تأكيد رواية لهم، أعادوا الحديث في كل وسائل الإعلام عن الفظائع المزعومة التي ارتكبها هتلر في حق معتقليهم، من تجويع وتعذيب وتهجير، وصولاً إلى التخلص منهم بطريقة وحشية، ونجح الصهاينة في استدرار عطف عدد غير قليل من زعماء العالم وقتها، أو فيما بعد للحصول على مشروعية لكيانهم الغاصب المصطنع، حتى أن الرئيس الأمريكي إبان نهاية الحرب العالمية الثانية “هاري ترومان” تأثر للغاية بما شاهده في أوشفيتز، وشعر بالذنب تجاه اليهود، واعترف بالدولة العبرية بعد دقائق من إعلانها.

استغل قادة الدولة الصهيونية المحرقة اليهودية أول ما استغلوها كوسيلة للابتزاز، عليه طالب “ناحوم جولدمان” رئيس الوكالة اليهودية ألمانيا بتعويضات عن المحرقة قدرت بخمسة مليارات دولار عام 1950، حتى وصلت في الوقت الراهن إلى تسعين مليار يورو، بالإضافة لما تحصل عليه تل أبيب من أسلحة متطورة ألمانية تكفيراً من الألمان الجدد عما فعله أجدادهم القدامى بشعب الله المزعوم.

كذلك اتخذت إسرائيل أحداث المحرقة اليهودية لتبرر جرائمها ضد الفلسطينيين وجيرانها العرب، كما لو أنهم هم من نكلوا باليهود وليس النازيين، ونجحت القوى الموالية لإسرائيل في أمريكا وأوروبا في استصدار قوانين تمنع أي مناوئ لإسرائيل من انتقاد إجرام الدولة العبرية، تارة بقوانين معاداة السامية، وتارة بقوانين تجريم إنكار المحرقة.

لكن الإنجاز الأبرز الذي يحسب لنتنياهو ودولته العنصرية، هو الاستثمار السياسي لذكرى المحرقة اليهودية في تركيع الأنظمة العربية، بحضور وفد عربي للذكرى، حتى لو كان هذا الحضور في بولندا وليس إسرائيل؛ لإرسال رسالة مهينة للعملاء العرب بأن عليهم تقديم فروض الولاء والطاعة للقوة المسيطرة على الشرق الأوسط، وفي العلن وليس في السر.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019
زر الذهاب إلى الأعلى