مدونات

المحبّة والمعرفة

المحبّةُ نورانيّةٌ تبسطُ روحانيَّتَها في كيان الإنسان فتنتظِم علاقتَه بكل شيء . والإنسانُ الذي يتعامل مع أخيه الإنسان بمحبة يُوصَف بالعاقل. وهذا يعني أن المحبةَ عقلانيّةُ القلبِ الحكيمةُ. صحيحٌ أن المحبةَ شعورٌ مركزُه القلب ولكن هذا الشعور بحد ذاته هو فيضٌ من سرِّ ذات العقل.
فالمحبةُ منسوبةٌ إلى العقل نسبة الابن إلى أبيه. ويقال : “الولدُ سِرُّ أبيه” بمعنى أن الولد هو التجلي الثاني لأبيه بصورة أخرى. ولا يمتلك المحبّةَ إلا العاقلُ ولا يفقدها إلا الجاهلُ. والمعرفةُ من فيضِ العقل وكسبه.
والمحبة والمعرفة في الثقافة التقليدية هما مَظهَرانِ للقلب والعقل. ولكن مثل هذه التقسيمات ربما تصحّ في مراحل الكسب الأولى و من باب التعليم.
ولكن عندما يبلغ الإنسانُ مراحلَ الكمال الإنسانيّ تتلاشى عنده مثلُ هذه الاعتبارات الجزئية والتقسيمات التصنيفيّة.
و يعود جوهرًا معنويّا بسيطًا واحدًا لا يقبل الانقسامَ. وتصبح ذاتُه فيضًا من سِرِّ الله. وهذا الفيضُ الذي يمثل مكنونَ الذات الإنسانية هو صورةُ اجتماعِ واتّحادِ المحبةِ بالمعرفة كما أن الماءَ صورةُ اجتماعِ واتحاد ذرات الأوكسجين والهيدروجين. الإنسان الذي ما تخطى مَقامَ النفس الأمارة بالسوء تلتبس عليه مثلُ هذه المفاهيم وتتداخل وتختلط. فالهوى مثلاً الذي ذمّ القرآنُ من اتّبعَه ليس هو المحبة.
ومن أعظم الشبهات أن لا يفرِّقَ القومُ بين المحبة والهوى. ففي حين أنّ المحبة مرحلة إنسانية كاملة متطورة جدًا عن بدائية الهوى . فالهوى بدائيّةُ المشاعرِ والعواطفِ الإنسانية الحسية الساذجة. ومن اتَبَّعَ هذا الهوى ضَلَّ . والهوى ليس مذمومًا بذاته لأنه يمثل الحسيّةَ التي هي أمرٌ واقعٌ .وإنما الذم في اتباع هذا الهوى.
و المحبةُ مَقامُ الكُمَّل من الناس وعند إخضاع الحسّ لأمر العقل اخضاعًا مستمرًا يتولد عنه حالةٌ جديدةٌ في الإنسان هذه الحالة هي تماهي المعرفة والمحبة.
ومن كانت محبتُه معرفةً و معرفتُه محبّةً استطاع أن يتجاوز عشوائيةَ المشاعر المتنافرة المتضاربة عند عامة الناس . وبالتالي يمتلك حاسة روحية من نوع خاص . هذه الحاسة هي مركزُ مَذاقاتِه المعرفية الحقّة .
و العلومُ التي هي كسبيّةٌ عند الجميع تصبح عنده وهبيةً بمعنى أن نورانية معانيها تُشرِق على ذاته دون غيره.
من هنا نفصل بين اللذة الحسية التي أساسُها الهوى البدائيّ النابع من الوجود المادي للإنسان وبين السعادة الروحية التي أساسُها تَجَوهُرُ الذات الإنسانية نتيجةَ استجابة الوجود الحسي للإشراق العقلي واتحاد المعرفة والمحبة في ذاته التي أعطِيَت مَلَكَةً إلهيّةً هي بمثابة الحاسّة التي تذوق بها ذاتُ الإنسان معارفَ الله وعلومَه وألطافَه وأفضالَه.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى