ثقافة و فنون

المجرى الأنطولوجي للنزعة الإنسانية

تراجعت العقلانية في أوروبا القرون الوسطى وانحسرت بسبب الدور الذي لعبه رجال الدين في تحجيم وتقليص قيمة العقل،حيث كانوا يتدخلون مرارا لتوجيه السلطة السياسية ضد الفلاسفة والمتفلسفين، فتنامت بذلك قيم روحية تغتني بمعطيات دينية و تلبس لبوسا لاهوتيا يختلف شكلا ومضمونا عن المرجعية الهيلينية بشتى مكوناتها وتبايناتها وبرزت تصورات تجعل من العالم حيزا ساكنا محكم التنظيم لكل شيء فيه وظيفته المقدرة بدأ بالنجوم التي ينبغي لها أن تسير في فلكها إلى الإنسان الذي يتعين عليه أن يعيش ملتزما بالمركز الاجتماعي الذي ولد فيه.

 والواقع أن هذا التصور التيولوجي لم يصمد بانهيار أساسه الكوسمولوجي  مع الثورة التي عرفها علم الفلك والفيزياء،حيث تزعزع عرش الكنيسة مع مجموعة من المفكرين والفلاسفة والفنانين الذين سيطرت عليهم فكرة العودة إلى العصر اليوناني لأجل إحيائه في إطار ما سمي  بإعادة كشف للمنابع التي طال الزمن على هجرها إذ أحسنوا تلقف المشعل الفكري الإغريقي من يد المسلمين الذين اشتغلوا على علوم الأوائل اليونانية التي تنحدر إلى أرسطو  وأفلاطون  كما واجهوا أفكار التشدد والانغلاق عبر الفكر النقدي المتنامي آنذاك، الأمر الذي أفضى إلى قيام حركة إنسية تتشكل من خليط من الأفكار والتيارات والاتجاهات لكنها  تتمحور مجتمعة حول موضوعة شكلت المصادرة الأساسية لحقوق الإنسان، ألا وهي موضوعة إنسانية الإنسان كرؤية جديدة قوامها أن الإنسان كائن واع حر ومريد و مسؤول ومن ثمة فإنه بمثابة مركز ومرجع في الكثير من العمليات التاريخية.

لكن تجدر الإشارة هنا إلى ملاحظة هامة وهي إن مفهوم النزعة الإنسانية قد ارتبط في ظهوره الأول ارتباطا وثيقا بالدعوة إلى إعادة بناء النظم التعليمية والتربوية غير أنه اكتسب فيما بعد معنى أخر يحمل دلالته في الصفات والخصائص الإنسانية ،أي جميع الصفات التي يتميز بها الإنسان دون سائر المخلوقات  الأخرى.

 وإذا كانت النزعة الإنسانية  قد بزغت  منذ أوائل  القرن الثاني عشر  وامتدت حتى القرن الخامس عشر وذلك وفق إجماع  الكثير من الباحثين وتوزعت على مدارات  عدة مثل الفلسفة  والفن والترجمة  والأدب فإن بزوغها اقترن بمجموعة من المعارك الفكرية و السجالات الفلسفية  التي رافقها مخاض فكري  أدى إلى بزوغ العقل كحكم أعلى في المناقشات اللاهوتية، وفي إطار هذه المناقشات  ستصبح الثقافة وريثة الفكر الحر وسيصبح عقل الإنسان أساسا لكل معرفة.

وفي هذا السياق وفي ضوء ما سبق تعلو أسماء ارازموس  و توماس مور و لاميراندول الذين تمردوا على روح العصور الوسطى وشنوا هجمات مريرة على وضاعة المؤسسات الكنسية وكهنتها حيث انتقدوا بشدة مسرى اللاهوت المسيحي وراحوا يستدركون معاثره و أوهامه الحاطة من قيمة  الإنسان والإنسانية ولب الأمر في مسعاهم هو إزالة غشاوات قرون الانحطاط التي كانت تغرق الإنسان في تصورات سكولاستيكية  متحجرة – تقوم على فلسفة أرسطو التي تم تحنيطها  وتكليسها في نماذج  ميتافيزيقية جامدة –تنزع عنها كل قيمة وجودية ايجابية .

فلقد كانت الكنيسة تسيطر عبر مفاهيم غيبية مثل «الخطيئة الأولى»   كما كانت هناك هيمنة لأنظمة الإقطاع و الأوليغارشيات  الحاكمة  باسم «الحق الإلهي»، فكانت الضحية بامتياز هي إنسانية الإنسان كمشاعر وأحاسيس و  كذات مفكرة تواقة  إلى التحرر هنا فوق هذه الأرض وليس في عالم غيبي مأمول ومؤجل، ومن هنا قوة النزعة الإنسانية التي تجسدت في حضور الجسد ومشاعره الفياضة  في لوحات ليوناردو دافنشي  ومنحوتات مايكل أنجلو  وإصلاحات لوثر الدينية وكتابات ميكيافلي  السياسية وتأملات ديكارت الفلسفية. حيث أصبح الغرب الأوربي  سيد الميدان الحضاري وصاحب المشعل الفكري في مسيرة إنسانية التصقت  بمناقشات ومناظرات فلسفية  لأجل التخلص من ربقة الكنيسة،كما اتضح مما لا يدع  مجالا للشك، أنه تم الفصل بين الإنسان عظيما وسيدا مالكا لمصيره وبين الإنسان خنوعا منبطحا مقتنيا لصكوك الغفران وما يدل على هذا هو تأسيس عهد جديد قوامه الاحتفاء بهذا الأخير مخلوقا ومبدعا.    

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عزيز غنيم

كاتب مغربي وأستاذ للفلسفة.

‫4 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق