ثقافة وفنون

المثقف وسؤال الوجود

سؤال قد يبدو بديهيا لكنه مهم.. فهل ياترى يوجد بيننا مثقفون اليوم؟

مع اقتراب انقضاء عقدين من القرن الجديد، لازلنا نعاني من أزمات فكرية وثقافية حادة في مجتمعاتنا خصوصا مع التردي الاقتصادي والسياسي الذي نعيشه و مع الانتشار الخطير لظواهر الفقر والأمية والعطالة التي تؤكدها تقارير المنظمات الدولية مرارار وتكرارا، في إطار السياسات النيوليبرالية الممنهجة ضد الشعوب، هاته الأزمة التي تطرح أمامنا عدة تساؤلات، حول دور المثقف، أو بالأحرى وجود المثقف في واقعنا اليوم.

كيف نظر المفكرون سابقا للثقافة والمثقف؟

قارب العديد من المفكرين في بداية القرن الماضي المثقف على أنه ذلك الانتهازي الذي يمكن أن يبيع  كل قضايا الإنسان مقابل مصالحه الشخصية، وذلك واضح في كتابات جل المفكرين و السياسيين الذين كانوا حذرين جدا عند تطرقهم لفئة المثقفين، فمثلا لينين عند تطرقه لهذه الفئة التي يسميها أحيانا بطبقة الانتليجانسيا، يعتبرهم “المثقفون هم أكثر الناس قدرة على الخيانة لأنهم أكثرهم قدرة على تبريرها”، وترجع هذه النظرة للمثقف خلال بداية القرن الماضي لكثير من الأسباب أهمها الرشاوي التي كانت تقدمها الطبقات المسيطرة للمثقفين وكذلك ضعف الثقافة الجماهيرية، الشيء الذي تغير أثناء الارهاب والقمع الذي مارسته الفاشية خلال حكمها والحروب التي شنتها الامبريالية الذي توازت مع نهوض ثقافي وسياسي وبروز للمثقفين كفئة اجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية. لننتقل من علاقة المثقف بالسلطة إلى علاقة المثقف بالجماهير، هنا نادى العديد من المفكرين إلى تطوير الفكر النقدي وإعادة النظر في مفهوم ودور المثقف، وذلك لمعالجة العديد من المفاهيم التي أصبحت لا تنسجم مع الصحوة الفكرية للجماهير الذين قاوموا أشكال الاستبداد والقمع.

المثقف وسؤال الوجود

هاته المعادلة التي أعادت الثقة في دور المثقف انطلاقا من كتابات المفكر الايطالي العظيم أنطونيو غرامشي والذي أكد الدور الايجابي الذي يمكن أن يقوم به المثقف في مواجهة السلطة وأكد على الاستقلالية النسبية للمثقف عن الطبقات الاجتماعية.

النكسة الثقافية.. اندثار الثقافة والمثقفين

أما في السياق الذي نعيش فيه وفق ما أشرنا إليه آنفا و متغيرات أخرى غريبة على مفاهيم المثقف الذي عاش خلال القرن الماضي، وأهم تلك المتغيرات على المستوى السياسي يمكننا أن نشير إلى صعود الفاشية إلى السلطة في العديد من البلدان من جديد واحتدام الصراع الذي أصبح يعيش به العالم والذي يفرض علينا التفكير ليس في ماذا يفعل المثقف ولكن وجود المثقف من عدمه باعتباره غائبا تماما على التأثير في الأحداث والوقائع والمبادرات و الأفكار، فكل ما يتم هو من صنع مراكز القرار في العالم.

وإذا كنا متيقنين من ذلك فالأجدر بنا أن لا نطرح سؤال ما العمل بل سؤال ماذا يقع، فإذا تمكنا من فهم ما يقع يجب أن ننتقل الى سؤال كيف يمكننا إنتاج إنسان يستطيع مسايرة ما يقع انطلاقا من آليات ثقافية وفكرية جديدة.

كل ذلك لن يتأتى إلا بالاعتراف العلني بموت المثقف وغيابه التام عن واقع الجماهير.  و ممارسة النقد للآخرين ولأنفسنا حول كل المفاهيم التي استعملها المثقف طوال هاته العقود من الزمن وكل الشعارات المتعلقة بكل القضايا وإخضاع كافة المواضيع لهذا النقد والنقد الذاتي، نقد يقوم في أساسه على المراجعة وإعادة النظر وتكسير كل ما ينظر إليه المثقف كطابوهات وكحقائق ثابثة لا يجوز المساس بها.

المثقف وسؤال الوجود


خلال التحلي بهذه الجرأة الفكرية يمكننا أن نتحدث عن تنوير العقول ليمكن لها إنتاج الثقافة بدل إنتاج النسخ الفكري سواء الأوروبي منه أو العربي.. ذلك النسخ الذي ينتج لنا التطرف الجديد، القائم على التعالي واحتقار الآخر بل والتحريض ضده وإصدار الفتاوي الايديولوجية، أي الأحكام الجاهزة عن الأنساق الثقافية دون تمحيصها ودراستها، إن ذلك كله في زمن الانحطاط والتردي الذي نعيشه يمكنه أن يحشد  الناس ويعتبرونه “ثقافة”، إلا أنه هو ما يفسد عقولهم لسنوات بل لعقود آخرى من الزمن.

[/vc_column_text][/vc_column][/vc_row]

أدم روبي

ناشط حقوقي وسياسي وباحث سوسيولوجي، من المغرب، كاتب مهتم بالميادين الثقافية والسياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى