ثقافة و فنون

المثقف العضوي والمثقف الإرتكاسي

إذا كانت الفلسفة تنبهنا إلى ضرورة التسلح بالحس الإشكالي حسب  لغة باشلار، فان حاسة وضع الأسئلة تتطلب منا امتحان تصوراتنا المسبقة حول عدة مفاهيم قد كونها الحس المشترك، الذي يقول عنه باشلار  “انه سيء التفكير بل انه لا يفكر البتة”، و من بين هذه المفاهيم مفهوم المثقف، فمن هو المثقف يا ترى؟ هل كل حامل للشهادات العلمية مثقف؟ هل كل من دخل دائرة الأضواء المتوهجة للتقرب بكل الوسائل المتاحة إلى مربع السلطة و مراكز القرار الاقتصادي و المالي مثقف؟ هل  كل  متعصب لمعضلة لغوية أو ثقافية يشهرها متى شاء كورقة انتهازية للابتزاز السياسي للدولة مثقف؟

بتدقيق النظر في الأدوار التي يلعبها بعض أشباه المثقفين اليوم نخلص إلى يقين مفاده أن الفاعل الاجتماعي الذي يسمى بالمثقف المؤثر في مجرى الأحداث و المنتج لشروط التغيير قد مات وولى في ضل تنامي و انتشار توجه إسلامي حركي، يستمد مرجعياته إما من إسلام أسيوي أو يغرف من ثقافة الولاء والمحسوبية أو يمتح من تراث الفكر الإسلامي المتشدد ذو العقلية الاستبعادية و اليقينيات المطلقة والمناهج العقيمة التي تدعي امتلاك مفاتيح الحقيقة و الهداية والسعادة لانقاد الأمة من الكفر والفساد.

إن هذا الإعلان الدرامي الجنائزي الذي ينسحب على الكثير من مثقفينا مرده قابلية جزء كبير منهم للدخول في الشبكات المصلحية للمخزن أو شحذ أسلحتهم الرمزية للحفاظ على المواقع و الأدوار أو للحصول على المناصب، حيث يؤكد المفكر الانتروبولوجي عبد الله حمودي أن مجموعة من المثقفين العرب قد سيطروا على الجامعات العربية و تعاطوا معها بمنظور سياسي حزبي ضيق فتح المجال لتأسيس شبكة واسعة من الأساتذة الذين لا يميزون بين العلم و المعرفة داخل الجامعة والانتماء السياسي داخل الحزب، مؤسسين بذلك لتقاليد سلبية مضرة بالجامعة ساهمت في تخريبها من خلال منح الشهادات العليا بمعايير غير علمية بل على أساس الانتماء الحزبي الذي لا مكان له في العلم، مما أدى  إلى فقدان  الثقة في الجامعة المغربية و في شواهدها  من طرف شريحة واسعة من  المجتمع، وزاد من عزلة المثقف الجامعي الأكاديمي تركه الكتابة والنشر و التأليف واتجاهه صوب التسيير والتدبير، مستبدلا بذلك فصول الدراسة  ومدرجات الكلية بمكاتب مكيفة داخل  مجموعة من الحكومات المتعاقبة.

وفي هذا الإطار تحول مجموعة من المثقفين في العالم العربي إلى وزراء أو مستشارين في دواوين الوزراء ،يتهافتون على لعب دور الموظف التكنوقراط، اللاهث وراء النجومية السياسية، المتزلف لبطانة الحكم وسدة القرار، و ليس دور المثقف العضوي الحامل لمشعل التغيير وفق المصطلح الغرامشي، الداعي إلى التنوير و التقدم و السلم، والممارس للنقد بما هو فحص وتشريح للمظالم و الهزائم، وتفكيك وتعرية للانتكاسات والإخفاقات.

وضمن هذا السياق يمكن القول أن هؤلاء المثقفين قد اختاروا ما يسميه بول نيزان ب  “الرفاهية الفكرية و التعالي عن قضايا البشر، و هؤلاء لا يمكن أن يكونوا سوى طفيليات  وزوائد دودية أو جراثيم اجتماعية” قادرة على ضبط وتعبئة فئات اجتماعية أمية لصالح أحزاب  كارتونية ممخزنة تدور في فلك النظام الحاكم، تعمل بمنطق الترضيات  و الو لاءات، وتشتغل وفق خطاطة الشيخ والمريد.

وعلى هذا الأساس ينبغي للمثقف العربي إذا  أراد أن يتبوأ المكانة التي يستحقها ألا يختزل دوره في الدفاع عن المصالح الحزبية الضيقة، وإنما المساهمة في الفضاء العمومي الديمقراطي خدمة للصالح العام، أي ألا يكون سياسيا احترافيا يتشدق بالشعارات الجوفاء ولا تكنوقراطيا يجتر بغرور بعض  المصطلحات الفضفاضة، محاولا نقل أساليب تدبير الأشياء إلى مجال تدبير البشر بعدة فكرية متآكلة، بل أن يكون مناضلا مفككا للكثير من الثوابت والقناعات الراسخة في عقول الناس، حول نظرتهم لأنفسهم ولغيرهم أو حول ما يعرفونه عن منطق الأشياء ونظام العالم، حاملا لمشروع نهضوي يخرج المجتمع من مطباته و أعطابه التي لا زال يتخبط فيها ،في ضال هيمنة أقلية برجوازية تخدم أجندة خارجية ذات إيديولوجيا ليبرالية متوحشة تسعى إلى استغلال ونهب ثروات الشعوب التي ترزح تحت نير الاستبداد والتخلف والأمية.

في الأخير يمكن أن نخرج بانطباع عام، مفاده أن المثقف الحقيقي هو من يوظف رأسماله الرمزي في خدمة المجتمع، عبر قيادة و تأطير الاحتجاج الاجتماعي و فتح نقاش معمق حول قضايا المجتمع، بروح نقدية استشرافية تروم الانعتاق من الانغلاق و تجاوز عوامل الانحطاط ،و تتوخى التطوير وتصحيح المسار نحو الأفضل.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عزيز غنيم

كاتب مغربي وأستاذ للفلسفة.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق