سياسة وتاريخ

المثقف البائس: العلاقة مع السلطة بين المراوغة والخضوع

تراوحت العلاقة بين المثقف والسلطة بين الهيمنة والتبرير، وتفاوتت بين الاستعمال والتوظيف، وكانت ولاتزال تشهد مراوغة وخضوع.

الثورات العربية وتمزق صورة المثقف التقليدية

تزايدت في الآونة الأخيرة النقاشات الساخنة، وكثرة الشتائم، وتوتر العلاقات، وتحول النقاش بين الفرقاء إلى سباب وبث الإشاعات، وانفلتت الأمور، ولم يعد هناك حوارات تفيد الأمة بل نقاشات تزيد الأجواء العامة توترًا وغمة.

غابت العقول الرصينة وأصحاب التفكير السوي على الساحة وحل محلهم زارعي الفتن والفوضى، وأصبح المشهد السياسي مقرف، ونقد المثقف وكلامه غير مفيد.

وتمزقت بعد الثورات العربية صورة المثقف القديمة والمعروفة، والمتمثلة في العارف بكل شيء، وتبعية الجماهير له والتأثر به، وأصبح هناك حرية في تفكير المواطن ولم يعد المثقف بمقدرته التحكم في الشارع وانفلت من بين يديه الأوضاع.

لم يعد للمثقف بعد الثورة القدرة على تحريك الجمهور متى أراد وإسكاته عند تمرير الصفقات مع الحاكم على حساب الشعب التعيس.

وعلى الرغم من أن شعوب ما بعد الثورة لم تعد تتأثر بما يقوله المثقف بل أصبحوا يعرفون أكثر من المثقف ويعبرون على مشاكلهم بشكل جيد، ولأن السلطات خاصةً القمعية منها، لا تريد المعرفة فهي لها قوة الرقابة العليا.

تسيس الثقافة: العلاقة بين المثقف والسلطة

نقصد في مقالنا هذا المثقف المفكر والباحث لا المثقف المتلقي، إن المثقف لغة مشتق من ثقف وتعني سرعة الفهم والفطنة وحدة الذكاء، وسرعة التلقي والتعلم.

لا يرتبط كون الشخص مثقفًا بعدد الكتب التي قرأها أو بالشهادات العلمية التي تحصل عليها، فالذكاء هو من أهم صفات المثقف المفكر. إذ بمقدوره إيصال أفكاره للناس بطريقة سهلة وناجحة.

يتم تسييس المثقف في النظام البرجوازي الرأسمالي بما ينتجه من أيديولوجيات والتي يتم استغلالها من طرف السلطة الحاكمة.

وأصبح المثقف جزء من نظام القوة التي تستعملها السلطة تحت شعار “الوعي” وغيره من الكلمات الرنانة. وظهر على السطح مثقفون مزيفون يصنعهم الإعلام فيصبحون خبراء في الكذب وتصبح هذه الفئة مستحوذةً على الفضاء الإعلامي والثقافي توجه العامة إلى ما تريده السلطة.

ويطغى على العلاقة بين المثقف والسلطة الريبة والشك وعدم المصداقية لكل منهما للآخر، بينما تستعمل الأنظمة الظالمة المثقفين المأجورين لضرب الشرفاء.

يتلازم مفهوما الثقافة والسلطة، فالسلطة تحتاج المثقف لإضفاء الشرعية على سياساتها وهكذا تعمل السلطة على تصنيع مثقفين وثقافة على قياسها. من هنا نجد نوعين من المثقفين:

  • النوع الأول: دورهم التصفيق والتطبيل للحاكم لمصلحتهم الشخصية وخدمة لحكامهم.
  • النوع الثاني: هم من عانوا من السجون والتهميش لرفضهم التطبيل والتصفيق للسلطة.

عندما عرّى المثقف الحقيقة

كان المثقف دائمًا هو الذي يعري الحقيقة؛ فقبل الثورة لم يكن المواطن العادي له الجرأة على نقد السلطة أو تعريتها، ولكن المثقف كان يسجن ويضرب بسبب مواقفه الجريئة. كما كان المثقف متصفًا بالبؤس ويراه البعض الرافض والملعون والمخرب والفاسق.

بالرجوع إلى التاريخ فإن المثقف في كل دول العالم تم رفضه واضطهاده عندما قال الحقيقة للناس عندما كانوا لا يرونها أو يخافون من ذكرها.

وأمكن للمثقف بضميره الحي وبلاغته التأثير وفك اهتمام الناس بما يقول عندما كان نقد السلطة والحاكم تسبب في معاقبته وإرساله السجن. في الوقت الذي اقتصر سلاح المثقف وقوته على أدوات قوامها: المعرفة، الحقيقة، الضمير، والكلام.

دور المثقف المعاصر: الحقيقة تسطع رغم الضباب

ينبغي على المثقف أن يجدّ ويعمل على تكوين الأفكار وأن ينتقد الفساد بكل حرية وشجاعة دون خضوعه لابتزاز السلطة أو أجهزتها. ومن أدوار المثقف الأخرى نقد السلبيات في المجتمع والسلطة على السواء، بكل حرية دون أن تأثر عليه أو ترهبه، وعلى الناقد ان يكون نقده بناءً مفيدًا يساهم في التغيير إلى الأحسن.

وارتكز نضال المثقف في الماضي على الوعي؛ فتوعية الناس كان الهدف لكن باكتساب المواطنين المعرفة والوعي بالتعليم ووسائل التواصل والإعلام خاصة المرئي، وأصبح أيضًا من السهل توجيه وعي الجمهور إلى ما يخدم الحاكم ليسيطر على الحكم والمحكومين.

كان هناك دومًا رابطٌ بين قول الحقيقة والعدالة في كل العالم؛ فالسلطة تستغل وتتحكم في العدالة وتلجم الحقيقة على حساب الشعب. فكانت دومًا كل معركة يشنها المثقف أو الشعب ضد العدالة هي في الحقيقة محاربة السلطة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

صلاح الشتيوي

كاتب تونسيي كتب العديد المقالات في السياسة والبيئة والاقتصاد تم نشر اغلبها بجريدة الشروق الورقية و بعض المواقع العربية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق