سياسة وتاريخ

المتعوس وخائب الرجاء

خرج الطاووس الأمريكي دونالد ترامب منتشياً وبجانبه الثعبان الإسرائيلي بنيامين نتانياهو مساء الثامن والعشرين من يناير الجاري؛ ليعلنا من واشنطن لسكان القارات الخمس حلهما المشئوم والمشبوه للقضية الفلسطينية، والتي دخلت عقدها الثامن، بما يخدم المصالح والأطماع التوسعية للكيان الصهيوني شاء من شاء وأبى من أبى.

أعلن ترامب بكلام لا يحتمل التأويل أن إدارته تعترف بالقدس عاصمةً غير مقسمة لإسرائيل، وأن هذه الصفقة التي وضعت بالتشاور بين تل أبيب وواشنطن تشكل أساساً جيداً؛ للتفاوض بين سلطة رام الله والحكومة اليمينية في تل أبيب، داعياً الفلسطينيين للعض عليها بالنواجذ لحل قضيتهم بما يحقق مصالح الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.

على نهج ترامب سار نتانياهو الذي أعلن أنه وافق على خطة ترامب للسلام، مؤكداً أنها تخدم يهودية إسرائيل، وتحل أزمة اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات الشتات بعيداً عن أراضي إسرائيل دون أن يفصل، واعداً الفلسطينيين بدولةٍ مستقلةٍ حال تحققت بنود خطة الراعي الأمريكي.

ولم ينسَ نتانياهو أن يشكر حليفه الأمريكي دونالد ترامب على ما قدمه لإسرائيل من خدمات، واصفاً إياه بالصديق المخلص لإسرائيل وله كل الحق في ذلك؛ فترامب كان أول رئيسٍ أمريكيٍ منذ عهد ريجان يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وينقل سفارة بلاده إليها، مخرجاً لسانه للعالم بأسره، وفي مقدمته صبيانه في المنطقة العربية.

كما منح الجولان لإسرائيل لتبسط سيادتها عليه، عبر مرسومٍ رئاسيٍ خلال زيارة مشابهة لنتانياهو لواشنطن في مارس من العام المنصرم، ضارباً بالسياسات الأمريكية المتبعة تجاه هاتين القضيتين الشائكتين عرض الحائط.

لكن ما أثار استغراب المحللين السياسيين ومتابعي النشرات الإخبارية حول العالمين، هو التوقيت الذي اختاره رئيس أقوى دولة في العالم، والحاكم الصهيوني، والذي يتحكم في قرارات العام، للإعلان عن تلك الصفقة الملغومة، وهما يعلمان تمام العلم الأثر الكارثي الذي ستتسبب فيه.

لكن قديماً قالوا إذا عرف السبب بطل العجب، فالعام الحالي عام انتخابي في الولايات المتحدة وربيبتها المحتلة، وترامب ونتانياهو يطمحان في تحقيق إنجاز يشفع لكل منهما بالبقاء في منصبه الرفيع، بعدما أحاطتهما الفضائح، وسببت لهما أزماتٍ لا يعلمان كيف سيخرجان منها وبأي تكلفة ستنتهي.

صاحب الوضع الأسوأ هو نتانياهو، الذي تلاحقه اتهامات بالفساد وسوء استغلال السلطة بدأت ملامحها تتكشف منذ ما يربو على العام، فقد ثبت تورط حاكم إسرائيل صاحب المدة الأطول من حيث البقاء في منصبه، بتهم تقديم رشاوٍ وتلقي تبرعات انتخابية بالمخالفة للقانون، علاوة على إدارته شركة في تكساس بأمريكا؛ لتوريد الأسلحة بما يتنافى مع مهام منصبه.

أما ترامب فلم تتركه الفضائح، ولم تتوقف الأزمات عن ملاحقته منذ دخل البيت الأبيض قبل ما يزيد على الثلاثة أعوام، منذ اتهم بالتواطؤ مع روسيا للفوز بالانتخابات الرئاسية دون وجه حق، وأخيراً اتهامه بخرق الدستور، بعدما ضغط على الرئيس الأوكراني؛ ليفتح تحقيقاً ضد هانتر بايدن ابن منافسه الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية، مقابل منح أوكرانيا مساعداتها المالية السنوية إذا أوفى رئيس البلاد بمطالب ترامب.

ما فعله ترامب ونتانياهو هو محاولة يائسة لصرف الانتباه عن أزمتيهما من ناحية، ومن ناحية تحويل قرارهما الكارثي لأصواتٍ انتخابيةٍ تبقيهما في منصبهما حتى حين، فهل سيتحقق مرادهما؟ هذا ما ستكشفه الأيام.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق