علوم وصحة

المبدأ الإنساني ووجود الكون

تتيح قيم الكميات الفيزيائية ظهور الحياة البيولوجية وتطورها بالشكل الذي نعرفه. ويحلو للبعض أن يصف هذه القيم تحت مسمى “الضبط الدقيق للكون”، بمعنى أن أي انحراف أو إخلال بسيط في تلك القيم من شأنه جعل الكون مقفرًا، ووجودنا فيه مستحيلًا. وفي السبعينات صيغ مصطلح “المبدأ الإنساني” Anthropic principle للدلالة على أن للراصدين الأذكياء مثل الكائنات البشرية دورًا رئيسيًا في الكون. وفي العادة نصادف في المؤلفات البحثية نموذجين لهذا المبدأ: النموذج القوي، والنموذج الضعيف.

ويرى أنصار المذهب الضعيف أننا لا نرصد سوى كونًا له خصائص تسمح بوجود مراقبين أذكياء. ولا يبدو أن ثمة أي شيء مميز بهذا الطرح البديهي. لكن النموذج القوي يذهب إلى أنه لابد أن تكون القيم الفيزيائية تسمح بوجود وتكوين مراقبين أذكياء.

لقد عبر الروائي مايك فراين عن الأمر على النحو التالي: “إنها مفارقة بسيطة، فالكون كبير للغاية في السن والحجم. أما الجنس البشري فهو ليس سوى اضطراب ضئيل للغاية في ركن صغير واحد منه اضطراب حديث جدًا، ومع ذلك فليس الكون كبيرًا في السن والحجم إلا لأننا هنا لنقول هذا. لكن بالطبع جميعنا يعرف تمامًا أنه على هذا الحال سواء كنا هنا أم لا”.

إحدى الصور المتطرفة لهذا المبدأ تتمثل في ما يعرف بالنموذج التشاركي، الذي نادى به الفيزيائي جون ويلر، وينص على أن التفاعلات الكمومية تنشئ رابطًا عميقًا بين المراقبين والحواء الفضائي الأكبر حجمًا. بكلمات أخرى: يسهم المراقبون أو الراصدون بإنشاء الكون.

لقد تعرّض المبدأ الإنساني للعديد من الانتقادات كونه يحمل طابعًا غائيًا (له غاية). كما أيده أنصار مذهب الخلق المباشر والتصميم الذكي (وهذا كاف لنقده بالنسبة لهؤلاء لكونه ذو خلفية أيديولوجية). وفي الواقع لو لم تتح قوانين الكون وجودنا، ما كنا لنتساءل أصلًا حول وجودنا. كما أن المبدأ الإنسي يجعل النتيجة مقدمة على السبب وهذا نقد منطقي.

ويجادل علماء باحتمال وجود أكوان لا حصر لها، ومن الطبيعي أن يتيح أحدها نشأة حياة ذكية. وما الشيء المميز بنا على الصعيد الكوني؟
في الواقع، لقد تفاجأت وأنا أقرأ كتاب “نهاية كل شيء” أو “كيف ستكون النهايات” ‏How it ends?‎‏ للباحث كريس امبي أن عالم الفيزياء الحائز على جائزة نوبل ستيفن واينبرغ قد أيّد المبدأ الإنساني إذ يرى واينبرغ إنه “يتناغم مع أقصى ما توصل إليه علم الكون من أفكار واستنتاجات، والتي تخمن على نحو هادف طبيعة الزمكان (الزمان-المكان) فيما وراء أفقنا”. لكن ما هو النموذج الذي يحظى باهتمام ستيفن واينبرغ؟ هذا ما لم يتم إيضاحه في الكتاب.

تجنبنا نظرية “الأوتار” string theory، وهي البناء النظري المرشح لردم الهوة بين نظريتي النسبية والميكانيكا الكمية، هذا الجدال، فالعدد الهائل من الحالات الفيزيائية للأكوان المتعددة، يوفر على الأقل كونًا واحدًا صالحًا لاستضافتنا.

اقرأ أيضًا :

هل نمتلك إرادة حرة؟ وهل تتحكم فينا الجينات ؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق